عبدالرحمن علي آل دبيش


نستقبل المواعظ والنصائح كمتلقين، ونسديها إلى غيرنا كملقين، في ظل منظومة "استبدال مراكز" تقوم على التلقي والإلقاء، لتلازمنا هذه الوتيرة طيلة مشوار حياتنا، لتنتج عنها نسب متفاوتة من التبني والتطبيق، أو الإغفال والتجاهل، وما إن يعود الإنسان إلى ذاته، ويتجرد من شواغله، ليتساءل عن مدى ما قدمه لتهذيب نفسه وإصلاحها؛ قبل اهتمامه بشؤون الآخرين، حتى يجد أن هناك جوانب في منظومته الذاتية، حالت دون إصلاحها سحب العادة، وقاطرة الروتين، مستكشفا بطلان ما خيّل إليه؛ من أن نفسه استوفت حقها من الإصلاح، وأخذت كفايتها من التهذيب، وتتبين له أوجه قصور ذاتية، ما كان لها أن تتجلى للعيان في إطار الانشغال بالآخرين، وإغفال المكاشفة مع النفس والمراجعة لمواقفها، وحساب العائد من الأساليب المتبعة في تهذيبها، والرقي بمستوى القيم فيها، وهنا يقف مشدوها أمام انبلاج الحقيقة وتجليها، إذ يجد أيامه ذهب ربيعها أو كاد؛ في غمار تقديم المهم على الأهم، والواجب على الأوجب، فيحس حجم الفقدان الذي أصابه؛ في لجج الاهتمام بالمظهر؛ على حساب الجوهر.

يتساءل عن سبب عدم رؤية الإنسان الواضحة لعيوبه، أو تأخره في ذلك، وعن تبريراته المستمرة لما يراه الآخرون نقصا فيه، فتكون الإجابة أن العاشق لا يرى عيوب معشوقه، والإنسان عاشق لنفسه حد الهيام، وراضٍ عنها في الغالب العام، فيعمى عن رؤية عيوبها.

فالرجوع إلى الذات بين الحين والآخر، يصنع فارقا حقيقيا حين مقارنته مع الاستمرار في مسار التعود، الذي يكون في الغالب منصبا على الاهتمام الخارجي، والكسب المحدود، الذي لا يلبث أن تزول أثاره، وتضمحل فوائده، أمام الإهمال لبناء الذات وتطويرها.

يعمد الناجحون بالعادة؛ إلى خوض غمار التحدي مع أنفسهم أولا، فحين يجد الناجح مقوماته الذاتية؛ وقد ترقت إلى مستوى من النجاح؛ يتجاوز مستوى المراحل السابقة من عمره، يعلم أنه بذلك قد كسب التحدي، وأنه يسلك الطريق الصواب، ليمنحه ذلك حافزا على التقدم ومواصلة النجاح، وحين يجد خلاف ذلك يبدأ مباشرة بالشروع في تغيير خططه، وتقييم أولوياته، وينطلق من خلال خطط تطوير جديدة، تبدأ بالذات والسلوك، وتنتهي بمرحلة التقييم اللاحقة، التي بواسطتها يتعرّف على مستوى ملاءمة الأساليب الجديدة لأهدافه، ومدى تأثيرها في معطيات واقعه.

المبدأ القائل: إصلاح النفس أولا، هو المبدأ الأصح، والذي بواسطته نستطيع تطوير أنفسنا وإصلاحها، ليسهل لنا تعميم الإصلاح، وتوسيع دائرته، بدءا بالأقرب فالأقرب، إذ يمكننا من خلال هذه التراتبية السليمة؛ أن نعمّق التأثير في المناحي التي نحرص على إصلاحها، ونقلها إلى واقع أفضل.