فلاح شائع القحطاني


منابر الجمعة غائبة عن التأثير الذي كانت تحدثه في فترة من الفترات، والذي شكل جل وعي المجتمع في ظل بروباجندا مكثفة، أفرزت قالبا فكريا أحاديا غير متعدد، وغير قابل للتغيير، بل يوصم في أحيان كثيرة بالدوغمائية.

لدرجة أن المجتمع في فترة من الفترات أصبح نسخة طبق الأصل بوجوه مختلفة لكن بأدمغة متشابهة إلى حد كبير.

فعندما تسأل شخصا في الشمال سؤالا يدور حول بعض المعتقدات أو بعض ما يطرح على الساحة، تجد الإجابة نفسها عند شخص آخر من أهل الجنوب، ويمتد ذلك ليشمل جميع مناطق المملكة. وكأن معظم المجتمع برمج بنظام أدلجة واحد، بالمدخلات نفسها، والمخرجات نفسها، دون أن يمر بعمليات فلترة لعزل الشوائب الفكرية عنه.

وامتد تأثير هذه البرمجة حتى بدأت ثورة الاتصالات والمعلومات تعم أرجاء المعمورة، وترغم الحكومات إرغاما على التفاعل معها وقبولها لتواكب المسيرة الحضارية وتلحق بالركب. ومجتمعنا لم يكن استثناء عن مجتمعات العالم، فقد هبت عليه رياح قنوات الإنترنت والإعلام والتواصل الاجتماعي لتحدث ثورة في حلحلة النمط الفكري الوحيد، والذي شكلت منابر الجمعة ثقافته ورؤيته للحياة.

فانكشف لشريحة واسعة من المجتمع أن تلك المنابر لم تكن رؤيتها في بعض الأحيان صائبة، خاصة عند مناقشة بعض الإشكالات الفكرية القائمة في داخل المملكة أو خارجها، وأن مساحة الرؤية أشمل من تلك النظرة القاصرة التي دأبت بعض الخطب المنبرية على محاولة ترسيخها بشكل متواصل ومتكرر على مدى عقود، جعلت كثيرا من أفراد المجتمع يتوجس خيفة من مناقشة أي طرح جديد يخالف ما يعتقده ويؤمن به. بل إن امتداد باب سد الذرائع والتوسع في فتاوى التحريم أغلقت كل مخارج الأفكار البناءة والرؤى السليمة المبنية على ثوابت علمية وأطروحات مقننة.

كذلك مما قلل من وهج الخطب المنبرية ضعف المحتوى، وعدم الاهتمام بالصياغة، والاعتماد على كتب قديمة ألفت من قرون، وبُعد كثير من الخطباء عن نبض ومشكلات الشارع، إضافة إلى أن صانعي هذا الخطاب التقليدي بدؤوا يظهرون على بعضهم هفوات كبيرة، وتتسع المسافة بين ما يقولونه وما يفعلونه.

كل ذلك انعكس سلبا على القيمة الدينية والفكرية للخطب المنبرية، ولم يعد لها ذلك التأثير على جيل التقنية الجديد.

من هنا، بدأ هذا الجيل الجديد يفقد الثقة في كثير مما يطرح على منابر الجمعة، ويحاول أن يبحث عن أصل ما يتم طرحه، مع تعدد خيارات وقنوات البحث، وانتشرت ثقافة التعلم أو البحث الذاتي دون التقيد بطرح معين أو الاعتماد على رؤية واحدة أو مذهب واحد.

وإذا أردنا أن نعيد إلى منابر الجمعة ذلك التأثير والوهج والقيمة، فيجب إعادة النظر فيما يقدم، والعمل على إعادة هيكلة خطبة الجمعة لتواكب التحولات والتغيرات الاجتماعية، والاستفادة من ثورة الاتصالات لتقديم الخطبة بأسلوب محبب وجذاب يلفت الأنظار، ويؤثر على عقول الشباب الذين يمثلون أكثر من نصف المجتمع، والاهتمام بالموضوعات التي تمس حياة الناس ومشكلاتهم وتطلعاتهم، وتحقق آمالهم وأمنياتهم، وتزرع فيهم حب الحياة والعمل، والبعد كل البعد عن الموضوعات التي تثبط العزائم، وترسخ لكره الحياة، حتى لا يدخل الإنسان إلى المسجد ممتلئا بالطاقة الإيجابية والسعادة، ويخرج ممتلئا بالطاقة السلبية وبغض الحياة، بسبب خطيب مؤدلج أو غير مؤهل، وبعدها نصاب بالدهشة ونمتلئ بالاستغراب، عندما يقدم أحدهم على فعل شاذ ومؤلم.