كنت أعمل في مدرسة ماليزية واحتاجوا لمصاحف مترجمة للغتهم، فطلبت منهم أن يكتبوا للسفارة السعودية لتوفرها لهم، وأخذتُ خطابهم وسلمته لسفارتنا في كوالالمبور، لكن السفارة اعتذرت وأبلغتهم أنها لا تملك نسخا كثيرة لتعطيهم منها، فكتبت المدرسة للسفارة الإيرانية فأمدتهم بأضعاف النسخ التي يحتاجونها.

السفارات الإيرانية ليست للعلاقات السياسية فقط، وإنما دورها الأكبر في توفير غطاء سياسي لأنشطتها غير الدبلوماسية. فهي تخلق علاقات سرّية مع أفراد وتيارات ومؤسسات كثيرة، تستغل حاجتهم ثم تصطفي منهم من يمكن استغلاله على المدى البعيد، وهي إذ تفعل ذلك فهي تنفذ السياسة الإيرانية التي تضع في صلب أولوياتها تصدير فهمها للإسلام، وتصدير ثورتها لغايات سياسية مكشوفة، ولا بد أن كثيراً من الدول تعرف أنشطة السفارات الإيرانية فيها، لكن هناك أعراف دبلوماسية تفضل معالجة ذلك بالكتمان، ونادرا ما يتم الكشف عنه.

خرجت من إيران أخيرا تصريحات اعتذارية عما فعلوه في سفارتنا هناك، والهدف من تلك التصريحات طمأنة العالم لا أكثر بعد الاستنكار الواسع الذي صدم النظام الإيراني، وهذا سلوك معروف ومشهور عن النظام في إيران، الاتفاق على الفعل ثم توزيع الأدوار والتصريحات، لكن لم يعد أحدٌ يجهل أن النظام الإيراني يكذب ويعتذر عن الكذبة بالكذبة، كما لم يعد أحد يجهل أن النظام الإيراني لن يتغير سلوكه مادام محكوما بهوس تصدير ثورته ومذهبه.

في الأسبوع الأخير اشتكى الجزائريون من سلوك الملحق الثقافي الإيراني في الجزائر، وطالبوا بطرده، ونقلت "العربية" عن الكاتب الجزائري أنور مالك قوله "ثبت لي من مصادر موثوقة في الجزائر وخارجها، أنه تجاوز مهمته الدبلوماسية فصار ينسق سرياً مع متشيعين جزائريين، ونظم لعدد منهم رحلات إلى طهران وقم وحتى النجف". وهناك بالتأكيد التقوا مع جهاز المخابرات الإيراني والحرس الثوري ورجال دين شيعة، ويسعى إلى صناعة لوبي شيعي، ومنه طائفة شيعية معترف بها في الجزائر، ..إن نشر التشيع الذي يمثله الدبلوماسي الإيراني، "لقي تجاوباً من طرف أعيان التشيع في الجزائر، وهم ينفذون كل ما يطلبه منهم، وهو لا يتواصل مع عموم الناس، بل مع أشخاص محددين، مطلوب منهم النشاط في الميدان في إطار نشر التشيع".

كما نقلت العربية عن صحيفة "أخبار اليوم" الجزائرية، عن عبدالفتاح حمداش زعيم تنظيم "صحوة المساجد الحرة" غير المعتمد، قوله إن سفارة إيران في الجزائر "تنشر التشيع بأساليب أخطبوطية". وتحدث عن وجود 3 آلاف شيعي في الجزائر، ينتشرون حسبه في مناطق عديدة".

إن هدف إيران ليس نشر التشيع بما هو مذهب، وإنما بما هو طائفية سياسية يمكن الاشتغال عليها لإحداث توتر داخل المجتمع، وتطويرها لتكون أرضية خصبة لزعزعة الأمن، تسمح للنظام الإيراني بالحضور في سياسة البلد بصفته راعي مصالح الشيعة، كما يروج لنفسه، وبصفته صاحب أوراق يصعب تجاوزه في معالجة الأزمات، كما هو الحال في علاجه لأزمات لبنان والعراق وسورية واليمن!

وبخصوص اليمن، وفي الأسبوع الأخير أيضاً، فقد كتب اليمني محمد العماد على صفحته في فيسبوك تحذيرا لليمنيين من الإيرانيين وأكاذيبهم بعنوان "اطردوهم قبل أن يشتروا الضعفاء منكم". يقول "يعقد طاقم السفارة الإيرانية اجتماعات شبه يومية، تتعلق بالشأن الداخلي اليمني، ويتم ذلك دون علم الأجهزة الأمنية الحكومية وأنصار الله، وفي محاولة لشراء الضعفاء من المواطنين اليمنيين يقود المدعو "أبو يحيى مصطفى" وشخص آخر من طاقم السفارة الإيرانية في صنعاء هذه المهمة، والتي يتم تنفيذها في مقرات غير معروفة، محاولة منهم إبعاد الشبهات عن مقر سفارتهم، كما يتم تجهيز لواصق أعلام إيرانية ستوزع مع سلال غذائية للنازحين باسم الإمام الصادق". ومحمد العماد هذا أحد القياديين الحوثيين، ومسؤول تحرير إحدى صحفهم، ومناهض لتدخل التحالف العربي في اليمن.

إن ما كتبه وصرّح به الوزير عادل الجبير وما سردته وزارة الخارجية السعودية أخيرا عن أنشطة إيران التخريبية في العالم هو غيض من فيض من "الدبلوماسية الإيرانية"، وكشفه واجب من أجل عالم أفضل.