التشبيه لغة التمثيل، واصطلاحا عقد مماثلة بين شيئين أو أكثر، لوجود صفة مشتركة أو أكثر بينهما، وهو وسيلة توضيح بين الصفة والموصوف، وأدواته مقسومة بين الفعل والاسم والحرف والغالب فيها حرف (الكاف) كقول أحمد شوقي: (وللمستعمرين وإن ألانوا.. قلوب كالحجارة لا ترق) وللمتتبع لشعراء العصر الحديث يلمح ذلك الافتتان والإغراق والدفقات الموغلة في توظيف التشبيه ضمن الفضاء النصي واستصحابه في الخطاب الشعري والإتكاء عليه ترميزا وتكثيفا، مما يشيع في الوجدان لذة اقتناص المعنى وكشف مخبوءاته وما وراء النص ودلالاته، وقد اشتهر من الشعراء المعاصرين ممن يكتب بلذة ونشوة ومتعة ويوظف التشبيه ويلتحم به ويستدعيه في منجزه الشعري الشاعر الراحل "محمد الماغوط" رغم وقوعه أحيانا في التشبيه المستقبح والمنفر المنسرب في مجموعاته الشعرية، ولكن هذا لا يحجب قدرته العجيبة على الذهاب بالقصيدة إلى مشاهد نضاحة وجامحة وملتصقة بالناس والحياة، وخارجة عن أعراف الشعرية العربية المأثورة. تقول سنية صالح "الماغوط أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل "ولكن علي جعفر العلاق يؤكد "أن الشكل الشعري وحده لا يحدد مصير نص ما، ولا يكشف عن مدى شعريته". معظم تشبيهات الماغوط تحتفظ بجديتها المزدهرة، إغناء للقول الشعري واحتداماته وتعميق مكمنه وحالته الدرامية وثراء دلالاته. تأمل هذه الاحتشادات من التشبيهات للماغوط التي تنزع إلى تنشيط حيوية المعنى ويقظة المخيلة: "كرائحة الأوطان على ثياب المسافرين"، "تهتزان في الهواء كقدميّ المشنوق"، "سأنظر شاكرا وممتنا إلى السماء كعصفور ظمآن يشرب من آنية"، "رئتاي جاحظتان خارج صدري كعينيّ اليتيم"، "يامن طعنتماني في الظهر وأنا مكب على أوراقي كالشيخ فوق سجادته"، "الندوب تتحرك على جباهنا كعقارب الساعات"، "وجوهنا المختنقة بالسعال الجارح تبدو حزينة كالوداع صفراء كالسل"، "نحن نعدو كالخيول الوحشية على صفحات التاريخ"، "يتمدد في عيني كسيل من الأظافر الرمادية"، "ذلك الشارع المنكفئ على نفسه كخيط من الوحل"، "ينتصب أمامي كأنشوطة مدلاة ذلك العجوز المطوي كورقة النقد"، "أتسكع كالضباب المتلاشي كمدينة تحترق في الليل"، "يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء"، "أسمع موسيقى حزينة وأتقلب في فراشي كدودة القز"، "إننا نبتسم وأهدابنا قاتمة كالفحم"، "الأشرعة تتساقط كالبلح لقد فات الأوان"، "وجوه طويلة كقضبان الحديد"، "سأترك الجوع يتراكم بين أسناني كما يتراكم الثلج على أجنحة العصافير"، "الجوع ينبض في أحشائي كالجنين"، "يحمل تاريخه فوق ظهره كالحطاب"، "أرض بيضاء كالمرهم"، "الغربان تبكي والفضاء مظلم كفوهة المدفع"، "منتصب كالفأر على رماد التاريخ"، "تحصي جراحك وندوبك كما تحصي الغابة طيورها عند المساء"، "البحر بجوارنا مقفر كباحة المدرسة"، "اهتزت بيوتها الحزينة المطفأة كسلسلة من الحقائب المعلقة في الريح".