لا يعلم الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها "المتنبي".
بيت المتنبي ينطق بما عانته كل أم حُرمت من كرت العائلة الذي يحمل أسماء أبنائها بُعد الثريا عن الثرى؛ لكن هذه المعاناة انتهت بقرار تاريخي انطلاقا من الخامس والعشرين من يناير الجاري، يسمح لنا نحن الأمهات بدفتر عائلة خاص بنا وبأبنائنا فقط، سواء أكان الرجل معددا أو مطلقا أو حتى معتوها لا يملك أوراقا رسمية تسمح للمرأة بأن تقوم بشؤون أبنائها.
حين ناقشت بعض الصديقات المتزوجات عن معاناة النساء المطلقات والأرامل بلا دفتر عائلة؛ عرفت أنها خفية عليهن، فعدا أن الرجل يسمح لزوجته بحمل كرت العائلة الذي توجد فيه مع أولادها، لا تجد المتزوجة أي صعوبة من الصعوبات التي تمرّ بها المطلقة أو الأرملة.
وللإيضاح، فلو أرادت الأم المطلقة السفر بأبنائها حتى داخل المملكة، فإنها تواجَه بسؤال هو: ماذا يثبت أنك أمهم، وأنت غير مضافة معهم؟!
ولو أرادت أن يعرفها ابنها في المحكمة في أي معاملة بيع أو شراء، فلا يوجد ما يثبت أنه ابنها، بينما يمكن أن يفعل ذلك لزوجات أبيه الذي يجمعهن معه دفتر العائلة!
حتى شركة النقل البري تطلب من الأم المطلقة ما يثبت أن الأب يسمح لها بالسفر بالأبناء، خوفا من المشكلات التي ربما تحدث بسفرها بهم دون إذن، ولو كانت سترسلهم إليه!
معاناة أخرى: حين تنقل الأولاد من المدرسة، بل محاولة الأم أن تحمل ابنتها المريضة من المدرسة إلى البيت، سيُطلب منها إثبات وحيد هو دفتر العائلة الأصلي! كما يطلب الأصل أحيانا في المدارس للتأكد من بيانات الطالبات.
هل فكرتم سابقا أن دفتر العائلة يكون من المستحيل الحصول عليه إذا كان الأب وبعض أبنائه في مدينة والأم وأبناؤها في مدينة أخرى؟!
معاناة رافقت كل أم انفصلت عن زوجها، وكأن انفصالها تم أيضا عن أبنائها، ولو كانت هي من تربي وتنفق وتدفع أقساط المدارس الخاصة. علما بأن بعض المدارس الأهلية تصدر إيصال استلام الرسوم باسم المكرم والد الطالب، ولو كان من عرق جبين المكرمة "الأم"!
نحمد الله، ونشكر كل من بادر بطرح الفكرة، كالفاضلات عضوات مجلس الشورى، كما نشكر سبق الأحوال برفع الاحتياج إلى وزير الداخلية لاستخراج السجل، ومبادرة ولي العهد وزير الداخلية، حفظه الله، إلى تحقيق الرغبة قبل أن تصل المطالبات حتى إلى مجلس الوزراء.
حس عال بأهمية إصدار هذه الوثيقة، وحل لمعاناة طالت وأصابت كثيرات، ولعل هناك لفتة أخرى لمعاملة الأم معاملة مساوية للأب في التصرف بحق الأبناء والبنات، وتصريف أمورهم، خاصة الأرملة التي قد يحكم ابن زوجها مال القُصّر من أبنائها، ويحرمهم حقهم ويأخذه لنفسه، أو ربما يتعنت في السماح لهم بزواج أو سفر أو بيع، حتى يأخذ نصيبا مفروضا بقوة استبداده ويضار أمهم.
تخبرني إحدى الصديقات أنها اضطرت إلى رفع أمر "أخو" زوجها ولي بناتها إلى القضاء؛ لتعنته الذي يعيق معاملاتهن، مع أنه لا يعرف حتى أين تسكن هي والبنات، ولا يقدم أي نوع من الرعاية، بل مجرد ممانعة وتسلط، وكأنه يخشى أن تفر الأم السعودية ببناتها!. كما بكت سيدة أرملة بحرقة وهي تبحث عن محسن يجود عليها، لأن ابن زوجها استأثر لنفسه بالضمان الخاص بها وبأبنائها.
استخراج جواز المطلقة أو تجديده حكاية أخرى تحتاج الالتفات، فمهما بلغ عمر المرأة ولو كانت في التسعين، فلا بد أن يقوم وليها باستخراج أو تجديد الجواز لها، وتأملوا الخطوات التي تمر بها المرأة التي مات أبوها وطلقت أو ترملت، فلا بد أن يذهب أخوها إلى المحكمة مع أربعة "شاهدين ومزكيين"، يثبتان أن الأخ هو ولي مناسب للسيدة المطلقة؛ تليها الخطوة الثانية وهي، أن تذهب المرأة إلى المحكمة وتوكل هذا الأخ ليستخرج أو حتى يجدد جوازها، ويقوم بالسماح لها بالسفر.
إشغال وهدر وقت القضاء ضجت منه بعض المحاكم، كما يقلق الأخ والمرأة، بينما وثيقة الجواز تستحقها المرأة كمواطنة، ولو افترضنا أن الخوف من حرية المرأة في السفر، فحمل الجواز لا يمكنها أبدا من السفر، فهي تحتاج إذنا بذلك.
الخلاصة، ما المانع أن يكون استخراج جواز المرأة بسهولة استخراج جواز الرجل، وأن يكون ذلك آليا وميسرا، خاصة أن لها ملفا بمجرد استخراج الهوية الوطنية وحملها؟.
من المفارقات في قضية الجواز، أنه أصبح ميسرا مع نظام أبشر للرجل، كما أن المرأة تستخرج الهوية الوطنية وتسافر بواسطتها إلى دول الخليج بمنتهى السهولة، بمجرد أن يقوم أخوها بالسماح لها، فما المانع أن يحدث ذلك مع الجواز للمرأة؟!
أعلم أن الأمر ليس قرارا مع سبق الإصرار والترصد، ولكنه ببساطة قرار يحتاج إلى الالتفات أسوة بسجل الأسرة للأم، وأعترف أننا، معشر النساء، ما نزال مقصرات في لفت النظر إلى حاجات ومطالب حلت التقنية كثيرا منها، من سداد الفواتير للمعاملات المصرفية؛ إلا أن ما يبشر بالخير أن المملكة من الدول المتقدمة في العالم في تطبيق المعاملات الإلكترونية.
أخيرا، ما زلت أنتظر ألا أضطر إلى الخطوات المذكورة في المقال حتى أقوم بتجديد جواز سفري، فهل نفرح بهذا القرار قريبا دون زيارة للمحكمة ولكتابة العدل؟!