هنا من أعلى قمة في العاطفة، ومن بين سفوح الحنان، ومنحيات الأبوة، تأبى قافلة الشعر العسيري إلا أن تقف متعلقة بأغصان ما ينظمه الأب الشاعر، فتولد منظومة تتدفق حبا يتدلى بجانب قرص الشمس، فترتوي به بنت الشاعر، وتصبح ريحانة الشعر التي لا تظمأ، وهي على ضفاف منابع الشعر، وتحت مزونه..
شعراء عسير حين تكون المرأة حاضرة في قصائدهم فهذا يعني أن هناك اختلافا لمعنى القصيدة المعتادة، فبالإضافة إلى ما هي عليه من جمال الألفاظ والمعاني، فهي تتعطر برائحة العرعر، وتتدثر بدفء الأرض، ويكون لها طعم سنابل القمح وعذوق الذرة، فكيف إذا كانت تلك المرأة هي قطعة من القلب؟
قال علي مهدي ا?لمعي لريحانة شعره وهو يودعها ليلة زفافها:
بنيتي كل أوراقي مبعثرة
ماذا ألملم منها والرحيل دنا
ومنذ وداعك ما أبصرت ومض سنى
ومنذ فراقك لم أعرف الوسنا
في كل بيت شعر ريحانة أرويت بقصيدة قادمة من أقصى معاني الرفق والحنان .. فلم تكن الابنة عند الشاعر الأب هي عدد مكمل لأفراد أسرته بل هي الطهر الذي يغشى اللحظات ويملأ التفاصيل بالغناء .. قال زايد حاشد عن "صباه":
طفلتي يا نبض قلبي تمتمي
بحروف الطهر في أذن الصبا
في وجه الابنة حقول ورد لا تشيخ، وبيادر لا تنتهي من الحروف الشهية، حضرت "ريف" في "تباهي" محمد عبدالرحمن الحفظي في مرحلتين عمريتين تأخذ بيده إلى قناديل تضيء فضاءات القصيدة..
ومن بين المليحات اللاتي يهبطن مخضبات بالحنين متدثرات بالحياء ساقت لنا "بشرى" محمد زايد الألمعي سحابة سخية تحمل شغفا وغواية لا يليق بها الهطول إلا حيث نشأ الحب والشموخ والبشائر..
قصيدة الشاعر العسيري لم تخضع لمرحلة وأد البنت وغيابها في دهاليز الخفاء والحذر من تصدر اسمها، بل هي بوحه وخطابه وتفاصيل عمره..
الابنة هنا عند شعراء عسير هي بالفعل ريحانة الشعر التي لا تعرف الذبول ولا تخضع لمفهوم "العار"، وتلك النظرية القديمة التي عادت أخيرا توحي أنها حمل ثقيل وعبء زائد في حياة الأب عليه التخلص منها..
البنت العسيرية قصيدة خالدة كشجرة العرعر نبتت في أرض الشعر ترتوي بمعاني الأصالة والعزة والكرامة.. تقتات على الحب والوئام والعرفان والاعتراف بأنها الأساس وأجمل هدايا الإله التي وهبها للأب.
وأنت إنسان عين أنت مؤنسة
ريحانة الشعر إن العطر كان هنا
"علي مهدي"