كنت في نهاية الثانوية، عندما توجهت مع جدي، رحمه الله، إلى قرية "حُظى" في بني عدوان، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها الشاعر عبدالواحد الزهراني على الطبيعة، وليلتها أنشد بما يشبه الحنين لهذه القرية التي بدأت حياته الشعرية منها، عندما جاء إليها للمرة الأولى، مع والده الشاعر سعود بن سحبان، وهو ابن الـ12عاما، الذي يصعد إلى المنصة ويمسك المكرفون، بين عمالقة شعر العرضة ابن مصلح والبيضاني، دون أن ترتجف يداه، أو ترتبك حنجرته.

تعالوا نخرج من هذا الـzoom الزمني، ونقف خارج كاميرا الوقت الراهن، لنرى نفس ملامح وجه الشاعر الذي في القرية، قبل 20 عاما، ولكنه الآن يملأ أفئدة الناس، وله من الجماهيرية، ما يجعل جهاز الشرطة، يضاعف عدد الدوريات في أي حفل يحييه عبدالواحد، تنظيما لتجمهر الناس، حول الشاعر النجم.

لا أريد أن أكتب ما يشبه الإطراء على شاعر جميل، ويستحق، ولهذا سأدخل في عمق حالة عبدالواحد الشعرية في ميدان شعر الشقر الجنوبي.

فهو الشاعر الذي طوّر من لغة قصيدة العرضة، ليخرجها من صندوق الإقليمية الضيق، إلى فضاء لغوي أوسع، يتفاعل معه كل الناس، حتى من هم خارج حدود اللهجة القبلية، بعد أن كان فن الشقر حبيسا لسنوات داخل زنزانة اللهجة الإقليمية.

أخرج عبدالواحد كذلك، شعر الشقر، من مربّع المديح الاحتفالي الممجوج، وذهب به إلى مناقشة هموم المجتمع اليومية، من خلال شعر محافل، وتلك مهمة شاقة وتعجيزية، فغيّر من مضمون شعر العرضة الاحتفالي المدائحي، إلى شعر يناقش كل مايحتاجه المواطن من خدمات واحتياجات، منتزعا شعر الشقر الجميل من مكان إلى آخر، مع الحفاظ على خصوصية الشقر الفنيّة والتراثيّة، فهو لم يلعب في الأصل، بل لعب في الفروع، لعبته التجديدية المذهلة.

الشيء الثالث المهم الذي فعله عبدالواحد، أنه ألغى الصورة الذهنية النمطية المأخوذة عن شاعر العرضة، من إنه أُمّي، أو متدني التعليم أو متكسّب، فأظهره بمظهر الشاعر المثقف والحاصل على أعلى الدرجات العلمية والوظيفية، كما أظهره في المحافل، شاعرا متأنقا، مهذب الأخلاق، مهموما بقضايا الناس، مواكبا حركة التقدم المتسارعة.

إنه عبدالواحد، من قرية "الدركة" الحجرية، إلى قرية الثورة المعرفية العنكبوتية، يربط جيلين، ولسانين، وعقلين.