مرت السعودية بعدد من المراحل الثقافية العديدة من حالة البداوة إلى حالة التحديث، وهذا التطور قاد إلى عدد من التبدلات الثقافية ما بين المحافظة والتقليدية إلى الأسلمة وإلى ما سمي بالحداثة، والصراع الذي كان بين تلك الأطياف الثقافية، ثم الصراع بين التيار الليبرالي والإسلامي والعروبي خلال فترة الألفية الجديدة، وهذه المراحل أثرت على التكوين أو المزاج الثقافي السعودي كثيرا وطبعته بطابع خاص تياري التفكير أكثر منه تيارا نقديا يضع تلك المراحل جميعا على طاولة النقد والتفكيك.

ولعل من أشهر تلك المراحل هي مرحلة الثمانينات بما كان فيها من شد وجذب بين التيار الإسلامي والتيار الحداثي في السعودية، وإن كان طابعه شدا إسلاميا يضع العقيدة والإسلام في وجه خصومه في حين كانت عند الحداثيين في تلك الفترة أدبية أكثر منها عقائدية لكن كان الصراع على أشده، وكثيرا ما خرج عن الأطر الثقافية المعروفة.

وعلى رغم أهمية هذه المرحلة من الناحية الثقافية سواء لدى التيار الديني أو التيار الحداثي إلا أنها لم تشهد حتى الآن رؤية نقدية جادة إلا في بعض النواحي البسيطة من قبل الطرفين، فلم تشهد نقدا من قبل التيار الديني لذاته، ولا نقدا من قبل التيار الحداثي لذاته، وإنما هي أشبه بتراجعات ليست معلنة بشكل واضح، وغالبا ما كان هذا التراجع سطحيا، إذ ما تزال البنى الفكرية المشكلة لكلا التيارين هي ذاتها لم تتغير.

ما حصل من نقد هو من قبل جيل الشباب الذي اتضحت لديه كثير من الرؤية عن تلك الفترة وكان في حالة الانفصال عنها بحيث استطاع أن يقيم تلك الفترة بشكل أفضل من أهلها، وإن كان نقده لم يصل إلى تفكيكها بالكلية إلا أنه جيل شبابي قادر على الفصل بين رمزية بعض الشخصيات والرؤى الثقافية التي يحملونها وكيفية تأثيرهم عليها.

قبل حوالي أكثر من ثمان سنوات كنت قد كتبت حول الحداثة السعودية هنا في "الوطن" وأعدت نشر الفكرة قبل خمس سنوات في كتابي: (قشرة الحضارة) في الفصل الثاني منه، ووصفت الحداثة السعودية بأنها شكلية، بمعنى أنه لم تكن حداثة عميقة البنية، بل هي حداثة أدبية أو حداثة نقد أدبي أو حداثة عمرانية لا أكثر، وأذكر حينما عملت الزميلة حليمة مظفر معي لقاء حول هذا الكتاب في برنامجها التلفزيوني: (صريح جدا) تحدثت عن شكلية الحداثة مرة ثالثة، مما أثار غضب أحد الشخصيات الحداثية، واتصل علي يعاتبني على نقد تلك المرحلة، طالبا مني المناظرة الثقافية في أي منبر ثقافي، ورغم موافقتي على هذه المناظرة إلا أنها لم تحصل.

شكلية الحداثة السعودية أو لنقل أدبيتها فقط قدمت عددا من الرموز الثقافية بعضها، بقي على الساحة الثقافية حتى الآن كالدكتور عبدالله الغذامي وغيره من النقاد، وبعضها توارى عن المشهد الثقافي نسبيا أو كليا، لكن حينما نعود إليها سنجد أن فيها شيئا من المبالغة الأدبية في ترميز بعض الشخصيات وتصنيمها فكريا، ولو أخذنا عبدالله الغذامي نموذجا لذلك فإنه كان أحد أهم الرموز الثقافية لتلك المرحلة، وعلى رغم أنه أعلن في نهاية الثمانينات انتهاء الحداثة وبدء مرحلة ما بعد الحداثة إلا أنه اتسم نقده بالمبالغات الثقافية وخلط المناهج النقدية، كما أنه بالغ في كتابه حكاية الحداثة بجعل ذاته الثقافية أحد المراحل المفصلية خاصة بظهور كتابه الخطيئة والتكفير، وبالنظر لذلك الكتاب بعد كل تلك السنوات سنجد بعض الخلط المنهجي النقدي ما بين الحداثة وما بعدها، مما يعني ضبابية تلك المناهج ومفاهيم الحداثة وما بعدها على النقاد فضلا عن الأدباء، ومن هنا يصبح وصفهم لذواتهم بالحداثية أو ما بعد الحداثية مبالغة ثقافية، فهي مرحلة ذات سمات حداثية خاصة عن بعض الشعراء، لكنها لم تتجاوز الدواوين الثلاثة، وبعض الشعراء لم يصدر إلا ديوانا واحدا لا تتجاوز قصائده خمس عشرة قصيدة، الأمر الذي يوضح المبالغات النقدية التي كانت في تلك الفترة، وهذه النقطة بالتحديد كانت محور حديثي مع الناقد الدكتور ماهر الرحيلي الذي أكد محدودية القصائد والدواوين الحداثية في الشعر السعودي.

قبل حوالى الأسبوع كتب الناقد سعود اليوسف مقالا بعنوان: (أبعار الظباء في الشعر السعودي) ناقدا أحد الشعراء الحداثيين السعوديين، وهو نقد يختلف عن نقد الصحوة للحداثة، وإنما كان نقدا جماليا من داخل العملية النقدية، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الناقد إلا أن المسألة في أهمية تجاوز مرحلة الحداثة وضرورة نقدها سواء في جانب النقد الأدبي كما فعل اليوسف أو في الجانب الفكري أو في الجانب الاجتماعي أو غيرها بعيدا عن التصورات الدينية للحداثة كما فعل الصحويون، فهي لم تكن تصورات ذات قيمة معرفية أو نقدية، وإنما تصورات تأويلية اتسم أكثرها بالتكفير المبطن أو التضليل والتفسيق.

إنه من الأهمية بمكان العودة بالتفكير إلى تلك الفترة، والنظرة لها بعين ناقدة على كل المستويات كونها المرحلة التي صبغت معظم الحراك الثقافي السعودي الحالي، فالنقد المعرفي والأدبي والاجتماعي يمكن أن يضعنا على حدود ثقافية يمكن معها تجاوز تلك المرحلة وعدم الركون إليها رغم أهميتها المرحلية، فإذا كان النقد الأدبي قد بدأ يخطو خطواته الأولى مع النقاد الشباب للحداثة الأدبية السعودية فإنه من الضرورة الاشتغال على النقد الفكري والنقد الاجتماعي خاصة مع وجود شباب أخذت الجوانب الفلسفية والاجتماعية تتعمق أكثر من ذي قبل، ما يعني أن النقد أصبح ضرورة معرفية لكل المراحل الثقافية في السعودية بلا استثناء.