اثنان وثلاثون عاما مضت منذ تأسس المهرجان الوطني للتراث والثقافة، خلالها عقد المسؤولون عن المهرجان ثلاثين دورة. وكانت الفكرة في الأساس والتنفيذ هي من إبداعات الملك الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي أناط بالحرس الوطني مسؤولية الإشراف والمتابعة لهذا المهرجان. وقد هدف -رحمه الله - من إنشاء هذا المهرجان لتحقيق عدة مجالات.

فالمهرجان وكما يوحي عنوانه يهتم بالتراث والثقافة، مما يعني أهمية حضور الذاكرة التاريخية، وتواصل الجديد بإرثه الإيجابي القديم، حيث لا يكون الحاضر مقطوعا عن الماضي، وإنما هي سلسلة ممتدة وتراكم واستمرار في الموروث والثقافة، وما أنجزته هذه البلاد التي شرفها الله لخدمة الحرمين الشريفين من منجزات وإبداعات.

العنصر الآخر، أن بلادنا عاشت عقودا طويلة بمعزل عن المناخ الثقافي العربي العام، وعن تيارات الفكر الإنساني. وقد خلق ذلك صورة نمطية سلبية عن هذه البلاد، رغم التطورات الهائلة التي أخذت مكانها على كل الأصعدة. فكان تأسيس البرنامج الثقافي للمهرجان الذي صار منذ البداية محورا رئيسا في أنشطة المهرجان، وعنصر تجسير وتقريب بين ثقافتنا بعناوينها المعروفة المستمدة من موروث البلاد وبين الثقافة العربية بكل تجلياتها.

وهكذا باتت الجنادرية ملتقى، كل عام، لعشرات المفكرين والأدباء الذين يفدون من معظم الأقطار العربية، حيث تتفاعل وتتلاقح الأفكار، بما يحقق التفاعل والتكامل العربي المعرفي.

هذه الدورة الثلاثين لمهرجان الجنادرية تكتسب شكلا خاصا حيث يختلط فيه الحزن والرجاء والأمل، فقد فقدت المملكة قبل عام راعي هذا المهرجان ومؤسسه، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في وقت كانت تتهيأ فيه لاستقبال ضيوف المهرجان، فكان من نتائج ذلك أن تأجل انعقاد المهرجان لعام آخر، اعتاد - رحمه الله - أن يستقبل ضيوف المهرجان لأكثر من مرة في كل عام. يستقبلهم في حفل الافتتاح، ومرة أخرى يلتقي بهم في قصره، حيث تجري الأحاديث في دفء وود.

وكان طبيعيا أن تكون أولى نشاطات هذه الدورة، ندوة عن الملك الراحل في ذاكرة عدد من المفكرين، من ضيوف المهرجان. وفي ظل هذه الأوضاع التي يعيشها العالم، وبشكل خاص هذه المنطقة، يتذكر الحاضرون مقولته "إن الإنسان قد يكون سببا في تدمير هذا الكوكب بكل ما فيه. وهو قادر أيضا على جعله واحة سلام واطمئنان، يتعايش فيه أتباع الأديان والمذاهب والفلسفات، ويتعاون الناس بعضهم مع بعض فيه باحترام، ويواجهون المشكلات بالحوار لا بالعنف. إن هذا الإنسان قادر أن يهزم الكراهية بالمحبة والتعصب بالتسامح، وأن يجعل جميع البشر يتمتعون بالكرامة، التي هي تكريم من الله لبني آدم أجمعين".

في هذا العام حضر الأمل بعد الحزن، وتلك سنن الكون. عام مضى على تسلم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان مقاليد الحكم، فكان لا بد أن يحضر منجز هذا العام في البرنامج الثقافي للمهرجان. ندوة أعدت لمناقشة منجزات هذا العام، وفي الندوة حضرت بقوة كلمات خادم الحرمين الشريفين بأهمية تقصي الحقيقة عند الكتابة، لأن الكلمة سلاح خطير، وهي أخطر عندما تتحول إلى سلعة تباع وتشترى. إن النقد شيء مهم، وهو إيجابي وضروري، وصاحب الرأي شخص محترم، حتى وإن اختلفنا معه في الرأي، تلك كلمات سلمان بن عبدالعزيز.

كالعادة يتضمن المهرجان محاور فكرية وسياسية، وفي هذا العام كان التركيز على المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة. وعلى الصعيد الفكري حفل المهرجان بندوة خاصة عن الصورة العربية والإسلامية في المخيال الغربي. ومحور آخر عن مستقبل الدولة الوطنية والتحديات المدنية والدولية، وتنازع الهويات وتعدد الانتماءات.

كما تناول البرنامج الثقافي للمهرجان ندوات اجتماعية تناولت موضوع الأسرة، وتحديات ثقافة التقنية، ودور الأسر في محاربة الانحراف والتطرف، في ظل التأثيرات الكبيرة على النشء. ندوات عدة عن الفلكلور الشعبي، ودور شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيرها في منظومة القيم الاجتماعية.

خلال السنوات الخمس الأخيرة، شرفتني إدارة المهرجان بالدعوة للمشاركة في فعاليته، بتقديم ورقة لأحد محاوره. في هذا العام كان تأثير الإيديولوجيات وتنازع الهويات على استقرار الدولة العربية وعلى السلم الاجتماعي، من المحاور المهمة التي تناولها البرنامج الثقافي وكان لي شرف المشاركة فيها.

والحقيقة أن تناول هذا الموضوع هو من أهم المحاور التي تضمنها البرنامج الثقافي، ذلك أن الحديث عن مشاريع التفتيت الخبيثة بالوطن العربي، لم تعد في خانة التنظير، بل باتت واقعا معاشا منذ احتلال العراق عام 2003 وتدشين عملية سياسية على أساس القسمة بين الطوائف والأقليات القومية. وقد وضعت تلك العملية المدماك الرئيس في مشروع الشرق الأوسط، الهادف إلى تذرية الكيانات الوطنية العربية، استنادا إلى استعادة الهويات الطائفية والعرقية وما قبل التاريخية.

لقد استمرت هذه المشاريع في خط بياني متصاعد بلغ أوجه قبل خمس سنوات، مع اشتعال ما صار متعارف عليه بالربيع العربي. ولعل الأخطر في عملية التفتيت ليس تفكيكها للكيانات الوطنية فحسب، بل في تمزق المجتمع العربي، وانحيازه في ولاءاته للانتماءات الطائفية والهويات الفرعية الأخرى، على حساب انتماءاته الوطنية، وتجلي ذلك في اشتعال حروب أهلية بين الطوائف في عدد من البلدان العربية، قضت على الأخضر واليابس، ودمرت ما شيد من بنيات تحتية، وعادت تلك البلدان إلى ما يقترب من أنماط العيش في العصر الحجري.

في ظل تنازع الهويات لا وجود لبناء مشروع بناء وطن جديد، يتجاوز صيغة التعايش في المجتمعات القبلية، ويحقق الاندماج الوطني في وحدة مجتمعية. المجتمع الذي يقوم على القسمة، هو مجتمع عصبوي يفتقر إلى الاندماج الاجتماعي، ويؤسس انتماءات داخلية تفصل وفق حدود جماعات يكون من نتائجها إضعاف الدولة الوطنية وتضعضع دورها.

ومن هنا تبقى المهرجانات الوطنية كمهرجان الجنادرية نقطة ضوء كبيرة وعنصر دعم للوحدة الوطنية وجسرا للتواصل والتفاعل الحضاري والإنساني.