دقة عبارات وآيات القرآن العظيم، في وصف الأحداث والألقاب والكائنات، تدعو إلى زيادة تعظيمه وإجلاله، وتحث الإنسان على أن يقرأه بتدبر وتمعن، وأن يقف على أسرار تغاير واختلاف استعمال المفردات من موضع لآخر، بمعنى آخر يضطر قارئه إلى الحديث بينه وبين نفسه، عن "لماذا استعملت الكلمة هذه بدلا من تلك؟" مع تشابه الألفاظ وتقاربها، مما يؤكد أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، ويؤكد حقيقة أخرى، وهو التكرار مع عدم الملل من كثرة استعمال المفردة، بخلاف لو كان كتابا آخر.
ومن ذلك وصفان تكررا في موضعين، الآية الأولى قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام على لسان ابنة شعيب مخاطبة أباها "يا أبتي استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين"، والآية الأخرى في قصة يوسف عليه السلام مع ملك مصر حين قال له "إنك لدينا مكين أمين"، ومن خلال تحليل يشمل في طياته علوم الاجتماع والإدارة والنفس، ففي الآية الأولى كانت ابنة شعيب تصف موسى لأبيها وكأنها ترّغب وتدعو أباها لكي يستعمله، فهي لم تقل مكين، وإنما قالت قوي، لأنه لم يختره بعد حتى يمكنه، وفي الآية الثانية حين طلب الملك سيدنا يوسف وكان يريده وزيراً في دولته ومملكته بعد أن كلمه واختاره، قال له ليطمئنه فيما سيوليه عليه، إنك لدينا مكين أمين، لأن الإبداع والإنجاز يحتاجان إلى ثقة ودعم.
والفرق يتضح أن التمكين هو الدعم الكبير الممنوح من الأعلى لمن هو دونه، وهو يأتي بعد الاختيار لا قبله، وهو من أقوى أسباب الإبداع والإنجاز، والتمكين يأتي من أحد طريقين، إما من الله عز وجل كقوله تعالى "والذين إن مكناهم في الأرض"، أو من السلطة الآدمية لمن هو دونه كقوله تعالى "إنك لدينا مكين أمين".
أما القوة والأمانة فهما وصفان يدلان على صلاح وكفاءة الإنسان في ذاته، والأقوياء الأمناء موجودون في كل مكان وإن كانوا قلة، وإنما يحتاجون إلى التمكين الذي يسمى في مصطلح الإدارة الثقة والدعم والتوجيه.