الجامعات من أهم وسائل تطور المجتمعات الحديثة بما تضطلع به من بناء علمي ومعرفي لأفراد المجتمع؛ ولذا تنطلق منها غالبية المشروعات العلمية والثقافية والمستقبلية المتعلقة من مراكز البحوث في الجامعات؛ كونها الحاضنة المنطقية للأدوات المعرفية، أو هكذا يفترض.
للجامعات في العالم ثلاثة أدوار رئيسة هي ثلاثة أضلاع لمثلث واحد، أولها يتصل بالهدف العام الذي أنشئت من أجله الجامعة، وهو الجانب الأكاديمي (العلمي) المتعلق بالتكوين العلمي والمعرفي للشباب الجامعي في مرحة الرشد، أما الضلع الثاني فيتعلق بالبحث العلمي من خلال مراكز البحوث التي تتيح إلى الباحث الاستخدام المنظم للأساليب والإجراءات للتوصل إلى حلول لمشكلة ما.
وعلى الرغم من أهمية الضلعين السابقين بالنسبة للمثلث الجامعي إلا أنهما يعتبران ناقصين من دور اكتمال الضلع الثالث، وهو "خدمة المجتمع"؛ إذ تعتبر الجامعات أرضا خصبة لتحقيق التنمية المجتمعية، من خلال المجتمع ذاته بما تقدمه له من خدمات، من أجل أن ترتبط بالمجتمع المحلي باستراتيجيات وشراكات تعود عليه بالفائدة.
فإضافة إلى الدعم الحكومي للجامعات المتمثل في الميزانيات السنوية الكبيرة التي تقرها وزارة التعليم، يظهر نمط جيد من الشراكة بين الجامعات والمجتمع تدعمه الشخصيات الاعتبارية في المجتمع، ومن ذلك الدعم الذي تقدمه الشخصيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع السعودي، المتعلق بدعم مراكز البحوث وإنشاء الكراسي العلمية في الجامعات.
ومن ذلك، على سبيل المثال، المشروع الذي دشنته جامعة حائل مؤخرا -عبر كرسي معالي الدكتور ناصر بن إبراهيم الرشيد لدراسات منطقة حائل- والمتمثل في "موسوعة منطقة حائل" في بادرة ثقافية جيدة تجاه المجتمع الحائلي، تنطلق من ضرورة رصد وتوثيق مختلف المظاهر الثقافية والتنموية والسكانية والطبيعية في منطقة حائل الثرية بتكويناتها.
وفي خطوة لافتة تجاه الشراكة المجتمعية في هذا المشروع الممثل للمنطقة، أكد معالي مدير جامعة حائل الدكتور خليل البراهيم أن مشروع موسوعة منطقة حائل عامل مهم للتنمية العلمية المنشودة، وهو مشروع طموح لن يكون محصورا على الأكاديميين داخل الجامعة، بل ينتظر أن تحظى الموسوعة بمشاركة واسعة من مختلف فئات مجتمع حائل من مثقفين وأدباء ومهتمين وكبار سن، وممن يملكون مستندات قد تفيد في بناء هذا المشروع، مع ضرورة توثيق المصادر والمواد التي ستخضع لتحكيم من قبل لجنة محايدة تحدد نوعية هذه المواد وأهميتها، مؤكدا أن المشاركة في تأليف الموسوعة مفتوحة للجميع، فالهدف هو المصلحة العامة، وبحسب ما أعلن عنه، فإن موسوعة منطقة حائل تحوي خمسة محاور رئيسة هي: التعليم والثقافة بمنطقة حائل، والتراث بمنطقة حائل، والتنمية الحضرية والريفية بمنطقة حائل، والتنوع الأحيائي بمنطقة حائل، والجانب الاجتماعي والسكاني بمنطقة حائل.
وبما أن فرص التطور الاجتماعي في العالم قادتها -وما زالت تقودها- الجامعات بمختلف أدوارها الثلاثة، فإن فرص ارتباط الجامعات بالمجتمع تزدهر من خلال الثقافة بما يثري التنمية في شتى أصعدتها البشرية والثقافية والمعرفية والاقتصادية، وذلك عبر الفئات المجتمعية المختلفة، ومنها غير المرتبطة عضويا بالجامعة، سواء من خلال العمل أو الدراسة أو التدريس، ولكي تكون البيئة الجامعية جاذبة للمحيط الاجتماعي بما تسهم فيه من جهود لتدشين أوجه الشراكة الثقافية المجتمعية، لئلا يقف دور الجامعة عند الحدود المعرفية الصرفة، فالثقافة تتطور بقدر الاهتمام بها من قبل الأفراد الذين هم من يمثلها، وهنا يكون الارتباط بين طرفي المعادلة التنموية (الجامعة والمجتمع) عبر الدور الاجتماعي الوطني الذي يقومان به وفق استراتيجيات محددة، هدفها الرئيس تنمية الفرد والجماعة، وفق الخيارات الوطنية المتاحة.