مع بداية الأزمة السورية، كان السؤال الأكثر انتشارا "من الذي سيوقف الأسد؟"، لكن لا الغرب ولا الشرق حرَّك ساكنا أو تفوه بكلمة للرد على هذا السؤال.
ولقد استغل هذا الصمت الدولي والميدان الفارغ من المحاربين دكتاتور دمشق بشار الأسد، ليشن حربا مريرة على الشعب الذي ثار في وجه نظامه الطاغي، فكانت النتيجة ضياع شعب بأكمله.
في الصيف الماضي، وتحت حجة قتال تنظيم داعش، دخل الحامي الأساسي لنظام بشار الأسد إلى سورية، وأصبح الوجود العسكري الروسي في الأراضي السورية حقيقة وواقعا، لكن هذه القوات وعلى عكس أهدافها المُعلنة اتخذت من المعارضة "المعتدلة" التي تقف في وجه الأسد هدفا لهجماتها أكثر من اهتمامها بقتال "داعش" أو وقف إرهابه.
الطائرات الروسية لم تكتف هذه المرة بقصف المحاربين من المعارضة، وإنما امتد قصفها ليخطف أرواح المدنيين أو تلقي بهم في طريق اللجوء بعد أن حولت قراهم وبلداتهم إلى خراب.
وبالتالي، فإن الروس مستمرون في ممارسة ما اعتادوا وفي إلقاء النشيد الذي حفظوه وفي إظهار خبراتهم التي استقوها من حروبهم السابقة ليمارسوها على أرض دمشق هذه المرة، فمن الذي سيقول لبوتين "قف" هذه المرة؟
الحقيقة، لا يبدو أن أحدا سيفعل، فالولايات المتحدة الأميركية صاحبة الكلمة الأكثر تأثيرا على موسكو اكتفت هذه المرة بكلمة أو اثنتين، ولم تستخدم أيا من أدواتها للضغط على الروس، ولم تحاول ردع بوتين عن هذا الطريق.
والواضح من هذه الممارسة أن واشنطن، وخلال استعدادها للانتخابات الرئاسية، لا ترغب في علاقات متوترة مع الكرملين.
إذا نظرنا إلى القوى الأخرى: فإن انتظار أي طاقة إيجابية من الأمم المتحدة أو من مجلس الأمن، ما هو إلا مضيعة للوقت.
أما الاتحاد الأوروبي فاهتمامه مُنصب على قضية اللاجئين ووسائل الحد منها، وتخلو جعبته من أي مؤثر رادع لبوتين، والعالم العربي بدوره لا يملك القوة اللازمة لوقف بوتين.
وأخيرا تركيا، لا تملك كثيرا لتفعله، خصوصا بعد التوتر الذي ساد العلاقات التركية الروسية بعد أزمة إسقاط الطائرة الحربية الروسية وانتهاك الحدود التركية.
في ظل هذا الوضع، يطفوا على السطح السؤال التالي: إلى متى سيستمر بوتين على موقفه، وإلى متى ستستمر روسيا بتدخلها في سوريا؟ الحقيقة أنه لا يوجد أي جواب يبعث على التفاؤل.
كثر النقاش في الأيام الأخيرة حول إمكان إرسال تركيا -ذات مجال المناورة الضيق- قوات عسكرية إلى سورية في سبيل تحقيق وإقرار أمنها الداخلي.
لكن انطواء هذه الخطوة على مخاطر كبيرة واضح جدا، خصوصا مع عدم إقدام الطرف المقابل على هجمات ضد تركيا. وإقرار مثل هذه الخطوة وهذه التحركات لا بد من توافر عنصرين غير متوافرين حاليا وهما: إما قرار من مجلس الأمن والأمم المتحدة أو طلب رسمي من دمشق. وعلى ما يبدو أن الخبراء العسكريين والسياسيين المشاركين في مثل هذه النقاشات يتبنون وجهة النظر هذه.
وأخيرا، إن الأحداث الحرجة التي تمُر بها المنطقة تفرض علينا التصرف بروية وواقعية وبدم بارد.