يطرح صاحبي براءة السؤال: هل اختفت لدينا السلفية التقليدية التي كانت هوية وشكلاً لهذا المجتمع السعودي الواسع منذ نشأة الدولة السعودية الأولى؟ والجواب التلقائي البسيط، إنها لم تختف ولكنها أصبحت أقلية من ضمن عشرات الأقليات المتناثرة على هذه الخريطة تحت حتمية استيراد الأفكار وصيرورة التحديث التنموي. وفي العنوان البارز الذي قد يشرح طبيعة المعادلة: لا يمكن لنا في عالم اليوم المتداخل أن نتحدث عن ذات الخرائط المذهبية القديمة، وخذ في المثال الشارد أن دول الخليج العربي استقطبت من الإخوة في المذهب الشيعي المقابل ما يفوق ضعفي سكانها الأصل من ذات الأقلية الشيعية.

سنعود لموضوعنا الأصل. لماذا أصبحت السلفية التقليدية أقلية في ذات محيطها الذي كانت تسبغ عليه رداءها بالكامل؟ والجواب به عشرات الشعاب والأودية. خذ في الأمثلة مجرد فكرة التعليم. وفي المثال الأدنى المباشر البسيط فإن استقدام معلم رياضيات واحد، مثل محمد سرور زين العابدين، للتدريس في معهد علمي ثانوي قد أدى لنشوء وازدهار أكبر حركة دقت أول مسمار في نعش السلفية التقليدية المتسامحة وحولتها إلى فرقة حركية سياسية. وفي المثال الأعلى الواضح المباشر، ومن ذات فكرة التعليم سنعرف لماذا أصبحت السلفية التقليدية التي عشنا معها لمئتي عام مجرد أقلية على وشك الانقراض، إذ تحت ضغط التوسع في التعليم العالي وتحت ضغط طفرة التنمية تم إنشاء ما يقرب من 150 قسماً للشريعة والدراسات الإسلامية، ووصلت هذه الأقسام إلى كل بلدة ومحافظة ومنطقة. والفكرة الأصل أننا كنا نعتقد أن بإمكاننا استيراد آلاف العقول من شتى المذاهب والملل والنحل كي يأتوا إلينا للتدريس في هذه الأقنية المفتوحة، ولكن بشرط وهمي: أن يتخلوا عن مذاهبهم ومللهم ونحلهم ليتفرغوا لتدريس السلفية النقية المتسامحة، وهذا شرط لا يمكن لأي فكر أن يقبل به. نحن استوردنا آلاف العقول ولكننا لم نتنبه لآلاف الأفكار المستوردة. نعم.. نحن اشترطنا في بناء المناهج والأوراق والكتب على كل هذه العقول المستوردة من كل مذهب وحركة تدريس ذات الكتاب الذي نوزعه على الطلاب في مداخل القاعات الجامعية، ولكننا لم نسأل أنفسنا ذات السؤال البسيط المباشر التلقائي: من هو الأخطر؟ هل هو الكتاب والورق والمنهج أم هو العقل والأستاذ ومدرس المادة؟. نحن كنا على وهم واسع كبير يقول إن في استطاعتنا استيعاب ما شئنا من الأدمغة والعقول ومن ثم "قولبتها" في ذات الإناء السلفي الذي عشنا عليه لمئتي عام لمجرد أننا نعطيهم الكتاب على مدخل القاعة، ثم اكتشفنا أننا أمام خدعة كبرى غيرتنا إلى الأبد في مجرد 20 سنة. هكذا أضعنا السلفية التقليدية أو في أحسن الأحوال تفاؤلاً، تحولت إلى مجرد أقلية.