نشرت الصحف المحلية أخيراً خبراً عن قيام وزارة الخدمة المدنية بتطوير نظام الترقيات لجميع الموظفين المدنيين في الجهات الحكومية، وذلك بهدف الارتقاء بالإنتاجية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز التنافس بين الموظفين ورفع كفاءتهم، بدلاً من أن تكون الترقيات في صورتها الحالية حقاً مكتسباً للجميع!
الغريب في هذا الموضوع، أن البيروقراطية دائماً ما تردد شعار "الترقية ليست حقاً مكتسباً للموظف"، وتؤكد على وجود اشتراطات وضوابط يتعين توافراها في الموظف لاستحقاق الترقية في إطار نتائج تقويم الأداء الوظيفي، وتطبيق مبدأ الجدارة في الاختيار الملائم لشغل الوظيفة الحكومية.
هذا بالإضافة إلى أن وزارة الخدمة المدنية تؤكد بأن النظام الحالي للترقيات يتم وفقاً للأقدمية والجدارة معاً، حيث تتم الترقية بالأقدمية في "بعض الوظائف وهي في الغالب الوظائف الصغيرة، بينما تتم في بقية الوظائف بالجدارة، وذلك لإتاحة الفرصة للجهة الإدارية لشغل الوظائف الإشرافية والعليا بمن تراه جديراً بذلك"، كما الوزارة فإن الترقية بالجدارة تتم بعد "قضاء مدة معينة في المرتبة التي يشغلها الموظف لضمان توفر حد أدنى من الخبرة لو فرض أن تدخلت الاعتبارات الشخصية في ترقيته".
هنا أعترف للقارئ الكريم أنني لم أفهم شيئاً عن كيفية تطوير وتغيير نظام الترقيات واعتماده على مبدأ الجدارة، في حين أن البيروقراطية تؤكد على هذا المبدأ عند ترقية الموظفين في النظام الحالي، وكأننا ندور في حلقات مفرغة، ولكن أستطيع القول إن واقع القيادات الإدارية لدينا تحكمه الفردية لا المؤسساتية، وبالتالي فإن الترقيات متروكة للتقدير المطلق للرؤساء الإداريين وتدخل فيه الاعتبارات الشخصية البحتة ومنها الواسطة والمحسوبية، بدلاً من مراعاة مبدأ الجدارة في الترقية، الأمر الذي يؤدي إلى فساد أخلاقيات الجهاز الحكومي ومن ذلك النفاق والمحاباة من قبل الموظف لرئيسه الإداري.
كثيراً من الموظفين يعرفون هذا الواقع، وقد يستفيد كثيراً منه خصوصاً من كان لقبيلته أو عشيرته الغلبة، أو ممن يفضلهم الرئيس الإداري على غيرهم وأقدرهم على تحقيق مصالحه الشخصية، ولكن هناك بعض الموظفين السذج، الذين يصدمون بهذا الواقع، وقد يجد بعضهم فرص الترقي موصدة أمامهم، رغم أنهم طبقاً لمبدأ الجدارة أحق من غيرهم، وقد يجد بعضهم كل الحوافز المالية والمعنوية تذهب إلى غير مستحقيها، ومع ذلك لا يدركون جذور الواقع، ويحاولون التشبث بمبدأ الجدارة وينتظرون من أنظمة الخدمة المدنية ولوائحها التي لا تترك مناسبة دون التأكيد على مبدأ الجدارة.
قد يقول قائل: "تضمت لائحة الترقيات الصادرة عن وزارة الخدمة المدنية شروطا وضوابط للترقية، منها: وجود وظيفة شاغرة يمكن الترقية عليها، توافر المؤهلات اللازمة لشغل الوظيفة، وأن تكون الوظيفة مصنفة في المرتبة التي تلي مرتبة الموظف مباشرة، ومضي مدة معينة في المرتبة.. فكيف يتم تجاوز تلك الشروط بالسلطة المطلقة للرئيس الإداري؟"،
من المعلوم أن الأنظمة واللوائح والإجراءات في البيروقراطية في أغلب الأحوال شكلية وصورية وعبارة عن استيفاء ورقي "تستيف ملفات"، أي أن كل الأمور في الظاهر تبدو مستوفاة ومنضبطة، لكن هذا الاستيفاء يخفي في طياته الكثير من التلاعب والانحراف، ليست موجهة بالنتائج والأهداف، فعلى سبيل المثال قد يتفاجأ الموظفون في جهة حكومية ما بترقية موظف ليس له مؤهل لشغل الوظيفة، ولا تدخل ضمن مجال تخصصه، ولم يكن لديه في أي وقت من الأوقات خبرة في مجال هذه الوظيفة، في حين يتوفر العديد من الموظفين المؤهلين ومن أصحاب الخبرات الطويلة وممن تنطبق عليهم شروط أنظمة الخدمة المدنية ولوائحها ومع ذلك لا يحصلون على هذه الترقية!.
في مثل هذه القضية وعند تقديم شكوى إلى الرئيس الإداري، تتم إحالتها إلى الإدارة القانونية، التي بدورها تؤكد على أن الإجراءات المتبعة نظامية، وأن البيروقراطية لا تأخذ بالتصنيف الوظيفي القاطع المانع، ولا تمنع شاغل وظيفة في مجال معين من الانتقال إلى وظيفة في مجال آخر، وعليه يتم رفض الشكوى!
وعند تقديم شكوى أخرى إلى الإدارة العامة للعلاقات الوظيفية بوزارة الخدمة المدنية، تتم مخاطبة الجهة الحكومية أولاً، وبعد الأخذ والرد تكون النتيجة أنه بعد دراسة هذا الموضوع في ضوء خطاب الجهة وبعد الرجوع إلى آخر محضر للترقيات، فإن الوزارة ترى سلامة الإجراءات المتخذة من قبل الجهة تجاه ترقية الموظف المذكور، ويتم رفض الشكوى مرة أخرى.
لقد نسي الموظفون أن المؤهل والخبرة والكفاءة والجدارة ليست بالضرورة ضامنة للمرور عبر سلالم المناصب الإدارية، صحيح أن ذلك الموظف المترقي لا يتوافر فيه المؤهل والخبرة، ولكن رصيده من العلاقات كاف لنيله الجدارة، فهو يؤدي العديد من الخدمات الشخصية للرئيس الإداري، ولمسؤولين متعددين في الجهة الحكومية، بمن فيهم موظفو الإدارة القانونية والشؤون المالية والإدارية!
العديد من الجهات الحكومية ما زالت عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى الطموحات وغير قادرة على العمل بكفاءة وفاعلية في خدمة المواطنين، ومن أسباب هذا الضعف تدني الكفاءة الإدارية وانتشار أوجه الفساد، بسبب غياب الجدارة والكفاية عند التعيين للوظائف والترقيات، الأمر الذي يقتضي العمل على اجتثاث الممارسات التي تقوم على المحسوبية والتمييز وعدم الإنصاف فيما يتعلق بالتوظيف أو الترقيات أو الاختيار في المناصب الإدارية.