وصف رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو مؤخراً، وفي تصريحات ملفتة، إسرائيل بأنها "فيل" يجب حمايتها من الحيوانات المفترسة ببناء مزيد من الجدران. وتساءل متابعون إسرائيليون، تعجبوا من المصطلح الذي استعمله نتنياهو، "حيوانات مفترسة"، إن كان يقصد بحديثه "عناصر داعش"، في الوقت نفسه الذي ينقسم فيه الإسرائيليون حول وصف إسرائيل فبعضهم يفضل وصفها بـ"إسبارطة" الجديدة أي الدولة التي تقاتل على كافة الجبهات المحيطة بها. بينما يفضل البعض الآخر بوصفها "أثينا" الجديدة تدعيما للزعم القائل إن إسرائيل هي دولة الرفاهية وواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

لكن يوجد في الضفة الغربية نحو 50 حاجزاً عسكرياً ثابتاً و8 حواجز متنقلة يتم نصبها كل يوم، ونحو 420 عائقاً متمثلة بسواتر ترابية وحفر خنادق وعشرات الكيلومترات من الجدران الممتدة على طول الشوارع الرئيسية، و13 شارعاً تقطع الضفة عرضاً وطولاً، و50 برج مراقبة.

وكانت حكومة نتنياهو قد صادقت على بناء الجدار على امتداد الحدود مع الأردن منتصف العام 2015 بطول 400 كيلومتر. وصدّقت على بناء سياج على طول الحدود مع مصر، ويتكون من بناء 3 حواجز على طول الحدود الصحراوية، ويمتد على طول 266 كيلومتراً من رفح إلى إيلات، وترمي إلى سدّ طرق التسلل الرئيسية. ومنع تسلّل المهاجرين غير الشرعيين. وتبلغ كلفة المشروع الذي تقدم به جيش الاحتلال، ما بين مليار و1.5 مليار دولار. وبناء جدارين آخرين أولهما في الجولان وثانيهما مقابل بوابة فاطمة على الحدود مع لبنان. وتوجد مئات العوائق المحسوسة على شكل المكعبات الأسمنتية، الصخور، القنوات، الجدران والبوابات الحديدية التي تمنع الفلسطينيين الوصول إلى الشوارع الرئيسية وتقوم بتحويل الحركة إلى الحواجز المعززة. وقد ارتفع عددها خلال السنوات الأخيرة بصورة تدريجية.

وتقسم الطرق الالتفافية إلى 3 أقسام؛ منها ما يكون خاضعا للاستخدام الإسرائيلي المطلق ويمنع الفلسطينيون من استخدامها بشكل نهائي، ومنها ما يسمح للفلسطينيين باستخدامها بقيود، وذلك بتصريح صادر عن الإدارة المدنية الإسرائيلية. أما القسم الثالث فيتمثل في الطرق التي يمكن للفلسطينيين استخدامها وتكون خاضعة لقيود نقاط التفتيش (الحواجز العسكرية) على مداخلها من قبل قوات الاحتلال. ويضاف إلى ما سبق الجدار الفاصل وهو عبارة عن حاجز طويل لمنع دخول سكان الضفة الغربية الفلسطينيين إلى إسرائيل أو إلى المستوطنات القريبة من الخط الأخضر. يتشكل هذا الحاجز من سياجات وطرق دوريات، وفي المناطق المأهولة بكثافة مثل منطقة المثلث أو منطقة القدس تم نصب أسوار. وعلى الرغم من أن إسرائيل قد أقامت بوابات على طول الجدار، عن طريقها يستطيع كل من بحوزته تصريح المرور، فمن التجارب الماضية يمكن الإشارة إلى أن إسرائيل تستغل قدرتها في منع استصدار تصاريح للحركة والتنقل للسكان الفلسطينيين لتحقيق أهداف مرفوضة، من ضمنها الضغط على السكان للتعاون مع إسرائيل أو فرض عقاب جماعي على سكان بلدة معينة جراء هجوم نفذ ضد إسرائيليين. بالإضافة إلى ذلك، فالحصول على تصاريح من الإدارة المدنية لا يؤمن المرور عبر البوابات، إذ إن جميع التصاريح تلغى عند فرض "حصار محكم" على الأراضي المحتلة.

وتقيم إسرائيل حول مدينة القدس ما يسمى "غلاف القدس" الذي ينطوي على عدة أهداف بينها عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني وتفريغها من السكان العرب وجعلها مركزا للدولة العبرية. وهو مشروع استيطاني يتكون من جدارين: شمالي وشرقي، وفصل القدس الشرقية عن الغربية بجدار طوله 11 كلم، وبدأ العمل في الجدار الشمالي في أغسطس 2002. وتحيط بقطاع غزة سبعة معابر فضلا عن المطار والميناء البحري. ولا يدخل القطاع ولا يخرج منه شيء دون المرور بأحدها، وتخضع 6 منها لسيطرة إسرائيل والمعبر الوحيد الخارج عن سيطرة الاحتلال هو معبر رفح. ولكل معبر من المعابر الستة الأولى تسميتان، إحداهما عربية والثانية متداولة إسرائيليا. وأقيم في فلسطين عدد من الجدران ففي داخل الخط الأخضر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تم في شهر نوفمبر 2002 الشروع في أعمال بناء سور ترابي بين قرية جسر الزرقاء العربية التي تقع في منطقة الشارون الشمالي، بمحاذاة شاطئ البحر الأبيض المتوسط وقرية قيسارية، بهدف الفصل بينهما ويتراوح طول السور بين 1-1.5 كم وبارتفاع 4-5 أمتار. ووصف الجدار من قبل شركة تطوير قيسارية بأنه "سور مانع للصوت". وكرد على "إزعاجات" صوتية يعاني منها سكان قيسارية بسبب الضجيج الذي يسببه سكان جسر الزرقاء (المؤذن، موسيقى صاخبة، حفلات وإطلاق نار فرح وألعاب نارية).

 وهناك الجدار بين حي الجواريش وحي غاني دان في مدينة الرملة، الذي بني في تسعينيات القرن العشرين، في فترة الهجرة من الاتحاد السوفييتي سابقاً. يبلغ عدد السكان في هذا الحي نحو 2000 نسمة، من بينهم نحو 80 عربياً. وخلال إقامة حي غاني دان، وكجزء لا يتجزأ من بنائه، أقيم أيضاً جدار أسمنتي بارتفاع 4 أمتار وطول 2 كم تقريباً، فصل غاني دان عن الجواريش، وبهذا تم سد الممر بين الحيين وحجب الرؤية بينهما. وقد عارض معظم سكان الحي العربي عملية الفصل وإقامة الجدار، بسبب طوله وارتفاعه. وكانت الميزة البارزة لاعتراضهم نابعة من شعورهم بالإهانة، نتيجة عنصرية المجتمع الإسرائيلي الذي تعامل معهم كأناس منحطين، وعمل على إقامة الجدار، وكذلك بسبب فرض إقامة الجدار عليهم، من قبل السكان اليهود والمؤسسة الإسرائيلية. وكان الشعور بالإهانة من عملية الفصل مصحوباً أيضاً بأقوال حول التمييز بين العرب واليهود الإسرائيليين. وهناك الجدار الفاصل بين حي بيارة شنير في اللد وموشاف نير تسفي. ويبدو أن لوثة بناء الجُدر والأسوار تغري الإسرائيليين رغم محدودية جدواها، ويتناسون سقوط خطي بارليف وآلون في سيناء والجولان على التوالي. وفي الوقت نفسه يتجادلون حول معضلة أنفاق غزة.

وقد بدأت مشكلة الأنفاق في الظهور بعد تنفيذ اتفاقات أوسلو 1994. ومع خروج الجيش الإسرائيلي من أجزاء كبيرة من غزة وإعادة انتشاره في قطاع ضيق على حدود مصر. وفي أعقاب الانسحاب أحادي الجانب في 2005 اتسعت شبكة الأنفاق بصورة دراماتيكية وأضيفت إليها شبكتان إضافيتان هما متاهة تحت أرضية متشعبة تحت القطاع، هدفها تمكين حماس من الصمود أمام الجيش الإسرائيلي إذا حاول احتلال القطاع. وشبكة أنفاق هجومية من تحت القطاع إلى داخل دولة إسرائيل. قبل حوالي سنة ونصف اكتشفت خلال حرب "الجرف الصامد" نحو 30 نفقا. واستخدمت إسرائيل في محاولات اكتشاف وتدمير الأنفاق على المنطقة الحدودية في غزة كل التقنيات المتقدمة والبدائية، ومنها روبوتات وكلاباً بوليسية ومتقصي الأثر وأنماطاً من المتفجرات السائلة في سبيل تدمير الأنفاق، وأجهزة تنصت ومراقبة وتسجيل وتصوير داخل الأنفاق، والمجسات الإلكترونية، والرقائق التي ترتبط بالحواسيب ومحطات التتبع والمراقبة. إضافة إلى الطائرات الإسرائيلية التي تقوم بإلقاء قذائف أعماق، تقوم على فكرة التغلغل في الأعماق لتدمير الأنفاق إن وجدت في محيطها. وحاول الجيش الإسرائيلي رصد هذه الأنفاق بطرق تقليدية مثل حفر آبار في المناطق المشكوك بها. لم تنجح جولات القتال المتكررة في غزة في الوصول إلى الهدف الاستراتيجي لتجريد القطاع من السلاح. وعليه فليس مفاجئاً أن تكون «حماس» تبذل جهودا مركزية في حفر الانفاق.

ويعد الهجوم الوقائي والضربة الاستباقية أمرين معروفين جيدا في مفهوم الأمن الإسرائيلي، لكنهما يترافقان راهناً بالخيارات التالية: الخيار الأول هو المعالجة الموضعية للأنفاق التي تجتاز الجدار نحو مستوطنات غلاف غزة. والخيار الثاني هو معالجة عامة، تتضمن كل فوهات الأنفاق على مدى 3 – 4 كم من الجدار. وينطوي الخياران على احتمال عال بالتصعيد العسكري. وعليه، فإن على إسرائيل أن تطور خياراً ثالثاً، أساسه انتظار المواجهة التالية في ظل النية لإطالة فترة الهدوء قدر الإمكان، حسب اعتقاد عاموس يدلين اللواء احتياط ورئيس معهد بحوث الأمن القومي.

وهكذا تتفرد إسرائيل بين دول العالم أجمع بأن كل حدودها محاطة بأسوار وجدران ومعابر ترمز جميعها إلى عمق شعور الإسرائيليين بالخوف من محيط ديموجرافي وتاريخي ينبذ أساطيرهم ومزاعمهم. أي أنهم يتمترسون حول نطاقات من الحواجز النفسية والسياسية والأمنية التي تجعل أي حديث عن رغبة إسرائيلية في السلام الحقيقي والعادل والشامل هو مجرد لغو أو محطة جديدة في صراع مفتوح لا يحل دون معالجة مصادره الرئيسة الحضارية والتاريخية والسياسية لا الجغرافية فقط.