وضع عالم الاجتماع (روبرت ميرتون) في أوائل الثمانينات مفارقته التي أسماها (مفارقة متّى)، وقدْ اشتق اسمها من عبارة وردت في إنجيل متّى على لسان المسيح (من كان معه يعطى ويزاد، ومن ليس معه يسلب منه حتى ما في حوزته). أعاد ميرتون توظيف هذه العبارة ليسلط الضوء على ظاهرة من ظواهر السلوك البشري تقف وراء شطر كبير من تفاوت الناس في مقادير ثرواتهم.

تنص المفارقة على أن مقدارا بسيطا من التفوق لأحدهم على الآخرين في بداية رحلة ما قد يتكفّل بجذب الظروف التي تسهم في زيادته بشكل تلقائي (نسبيا) إلى أن تتسع الفجوة بين المتفوق ومن كانوا أقرانه في السابق، في الوقت الذي يزيد فيه تأخرهم بالمقابل. فلننظر إلى جائزة البوكر للرواية مثلا، كيف يؤدي فوز إحدى الروايات ولو بهامش بسيط على غيرها من الروايات المشاركة إلى انتشارها بشكل يفوق رفيقاتها بمقدار كبير لا يمكن قياسه إلى تلك النسبة التي نصت عليها اللجنة حين إعلان الجائزة.

يضعنا الاقتصادي (شيروين روزن) أمام هذا المثال: "فلنفترض وجود 50 باحثا تناولوا موضوعا مشتركا دون أن يكون لأحدهم تفوق بارز على الآخرين، ماذا لو افترضنا أن هناك ورقة أكاديمية استعان صاحبها ببحوث ثلاثة منهم على نحو اعتباطي كخلفية لورقته؟ إن هذا قد ينتج عنه وجود من سيفكر بالاستشهاد بهؤلاء الثلاثة دون غيرهم عند تناول موضوعات مقاربة لما كتبوا، وهكذا ستزداد شهرة هؤلاء الثلاثة دون مبرر منطقي على حساب بقاء الآخرين بعيدا عن الشهرة".

إذن فدفعة أمامية بدرجة نسبية من الجودة أو حتى الحظّ في بداية أي مسيرة فنية أو رياضية أو عملية قد ينتج عنها مزيد من النجاح المرافق لصاحبه في حياته كلها.

عالم النفس (روجر بارنسلي) من أبرز الذين اهتموا بدراسة هذه المفارقة، إذ سعى بها إلى نحو متقدم جدا في نظري عندما لاحظ أن حوالي 70 % من أقوى نجوم الهوكي الكندي كانوا من مواليد الأشهر الأولى من السنة. يزعم بارنسلي أن ذلك كان ملحوظا بمجرد النظر إلى بيانات اللاعبين كما يقرر عدم وجود أي علاقة بين هذه الظاهرة وقضية الأبراج الفلكية، بل كل ما في الأمر عائد إلى أن تاريخ قبول الفئة السنّية لهذه اللعبة في كندا هو الأول من يناير! أي أن من الممكن أن يلعب صبي مولود في يناير مع صبية يصغرونه بـ11 شهرا لمجرد أنهم مولودون معه في العام نفسه. يؤدي هذا التفوق العمري إلى تفوق بالمستوى منذ سنوات اللعب الأولى مع تنامٍ لهذا التفوق باستمرار، فتأمل كيف من الممكن أن يكون لتشريع اعتباطي كهذا أثره على نجومية بعض اللاعبين وخمول البعض الآخر بعد سنوات طويلة من بداية انضمامهم لفرقهم.

لعل من المجدي أن نتنبه إلى أن أثر هذه المفارقة لا ينحصر في سلوك الأفراد فقط، بل من الممكن أن نلحظه كذلك في حركة الأمم والمجتمعات. فلننظر إلى ما يزعمه البعض من فارق حضاري بين الغرب وبقية العالم، هل من الممكن أن نلمح أثرا لمفارقة (متّى) في هذا؟

يبدو لي أن الأمر كذلك بالفعل! ماذا لو لم يكتشف فاسكو دي جاما رأس الرجاء الصالح؟ وماذا لو لم يعثر كولومبوس على أميركا؟ هل كانت ستصعد أوروبا بالشكل الذي شهدناه؟

لم يكن من الممكن في نظري أن تنشأ ثورة أوروبا الصناعية لولا تدفّق الموارد الطبيعية للمستعمرات الجديدة، ولولا صلاحيتها من جهة أخرى كأسواق استهلاكية لمنتجات تلك الثورة. كما لم يكن من الممكن تحول أوروبا إلى الديموقراطية لولا تلك الثورة التي أعطت للمرة الأولى في التاريخ أهمية سياسية لليد العاملة التي يؤثر قرارها على خطوط الإنتاج. كما لم يكن من السهل ظهور حركات التنوير لولا نشوء الطبقة البوروجوازية الراعية لتلك الحركات، والتي لم تكن لتنشأ أيضا دون الوفرة الاقتصادية القائمة على التجارة مع المستعمرات. إنه ربح قاد إلى ربح في سلسلة تطورية انتهت إلى ما نشهده الآن من البون الشاسع الذي بات يفصل بيننا وبين القوم.

يظن بعضنا أن ما يراه من فارق حضاري مرتبط بدرجة من الوعي أو العقلانية أو حتى من القيم الأخلاقية يحوزها الفرد الغربي ويمتاز بها عن نظيره المشرقي، فإذا مضى إلى بلاد الغرب لم يجد شيئا من ذلك، فيعود حينئذ إلى القول بأن الأمر مرتبط بالمنظومات السياسية والإدارية المؤطرة للحياة في تلك البلدان، ولكنه لا يحاول تجاوز ذلك بالتعليل، أو شرح الكيفية التي نشأت بها تلك المنظومات المسؤولة عما توصلوا إليه من مستويات معيشية متقدمة.

حسنا، لعل شيئا من فهم (مفارقة متّى) يساعدنا في ذلك!