تكريس "الذكورية" للصورة النمطية المشوهة لقيمة "الأنثى" المعنوية في المجتمع، سواء خلال وسائل الإعلام؛ بتغييبها تماما في الفضائيات الدينية؛ وإهمالها في القنوات المحلية؛ يساند في ذلك تربية وتنشئة "البنت" بقمعها كـ"أنثى" في البيت أو المدرسة أو الشارع، وتغذيتها النفسية المستمرة على أنها "فتنة" و"عورة" و"ضعيفة" مسلوبة الرغبات، وعليها أن تكون حياتها أشبه "بالراهبات" حتى يرسل الله لها زوجا ينقذها من"الرهبنة" أو تنتقل لقبرها و"هي وبختها"! كل ذلك يؤدي إلى صراع ذات "الأنثى" التي تشعر بالانسحاق الاجتماعي مع واقع العصر ومتطلباته ومغرياته التي تراها في يد "الذكر" وتُحرم منها هي!.
ولأن "قيمة الأنثى" مشوهة في ذاتها؛ يدفعها ذلك إما للاستسلام التام بسلبية للصورة النمطية التي رسختها "الذكورية" الاجتماعية، فتكون المنكسرة والعاجزة؛ وإما أن تجد مصدر قوة في تركيزها على تجميل قشرتها الجسدية الأنثوية والمبالغة فيها لاستخدامها كقوة ضغط لقبول المجتمع لها؛ وإما الفئة الثالثة التي توقفتُ عندها بمقال الأمس وهي الأخطر؛ بأن تتخذ موقفا عدائيا ضد "الأنثى" داخلها؛ فتتمرد عليها برفضها واحتقارها تماما، لأنها سبب ضعفها وجعلها مسلوبة الرغبات، وحينها تظهر لدينا "المسترجلة" أو "البوية" التي تنبهر بعالم الذكور، فتبحث لها عن مكان فيه، وتستمد منه أساليب حياته في تصرفاتها وملبسها وانفعالاتها وتعاملها مع المحيط الاجتماعي؛ فـ "الاستخشان" وسيلة لفرض الثقة بها كأنثى "مُذكرة" وحينها لن تكون "غواية" وغير ملفتة للذكور بعد انضمامها لعالمهم!! وهكذا تحقق رغباتها بمباركة المجتمع الذي حرمها منها لأنها مجرد "فتنة"!.
هكذا هن المسترجلات أو "البويات" ذوات أنثوية مشوهة؛ بَدَون ظاهرة ملفتة للانتباه بين المراهقات في مدارس البنات وطالبات الجامعة؛ وكثيرات منهن لم يقعن في "الشذوذ" ولسن "منحرفات جنسيا" لكنهن على وشك الانحراف نتيجة لـ"تشوه الثقافة الجنسية"، وهذا أمر آخر يمكن مناقشته لاحقا في مقال منفصل، فالواحدة منهن تلجأ إلى "الاستخشان" والتصرف بـ"ذكورية" لتكسب الثقة؛ لتلبي رغباتها المكبوتة تحت أعين أسرتها والشارع والمدرسة دون أن يلومها أحد؛ ما دامت ليست "فتنة"، وستبعد نفسها عن الشك للوقوع في علاقات غرامية مع ذكور؛ ولن تلفت الانتباه إليها إلا من الجنس اللطيف اللاتي وجدن في تجميل قشرتهن الجسدية مصدر قوة لفرض "ذواتهن الأنثوية" وهؤلاء يحتجن نفسيا لمن يعززها في ظلّ الفصل التام بين الذكور والإناث؛ ولن يكون أمامهن سوى "المسترجلات"! وهنا مكمن الخطورة! لأن من هؤلاء وهؤلاء من سيتجه فيها "تشوه الأنثى" إلى طريق مرضِي ومنحرف للفطرة الغريزية، والنتيجة المؤسفة ظهور "الجنس الرابع" الأخطر والأصعب علاجا كما يرى بعض الأطباء النفسيين.
وملف "المسترجلات" أو "البويات" كان من الملفات الاجتماعية السرية التي لا تناقش؛ ما أدى إلى عدم وعي الأسر بحالتهن، وبالتالي زيادتهن بين بناتنا؛ والمؤسف أننا نلوم هؤلاء "الإناث المشوهات" وننسى لوم المجتمع بمن فيه من "البيت، المدرسة، الإعلام، المؤسسة الدينية" الذين يحابون "الذكور" على حساب "الإناث" فأنتج هذا التشوه في ذواتهن "الأنثوية" ثم بارك "استخشانهن" و"ضعفهن" خلال تنشئتهن النفسية المشوهة؛ ولطالما تساءلنا وما نزال: لماذا هنّ في ازدياد مخيف رغم إحاطتهن بكل هذه المحاضرات والمناهج الدينية والتخويف الديني؟! لنجيب: ما علينا إلا أن ننظر من حولنا لواقع المرأة السعودية في المجتمع؛ فإذا عُرف السبب بطل العجب!