يشير مفهوم الحضارة إلى فعل الحضور الإنساني، وبالتالي الدلالة على وجود المنجز المادي للإنسان في مرحلة ما، وبقعة جغرافية معينة.

وتعتبر المحافظة على العمق الحضاري والتاريخي للمملكة العربية السعودية مسؤولية حكومية، قبل أن تكون مسؤولية اجتماعية؛ وانطلاقا من ذلك أنشأت الدولة جهة حكومية تعنى بهذا الأمر، وهي الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، بعد أن كانت وزارة التعليم هي المسؤولة سابقا عن هذا المجال لعقود.

واليوم ثمة قضية تتعلق بالتراث الوطني يجب أن يُدق لها ناقوس الخطر، ففي كثير من دول العالم المتحضرة، يشهد الزائر وجود مبنى لمدرسة أو جامعة يعود تاريخه إلى قرن أو عدة قرون وما يزال موجودا بل محتفظا بشكله القديم، إذ كلما زاد عمر المبنى ازدادت قيمته الحضارية، وفي هذا الصدد ما زال المبنى القديم لجامعة "السوربون" الجامعة الباريسية العريقة قائما، بكل ثقله التاريخي والحضاري الذي أسست عليه عام 1253م.

أما لدينا، فثمة مشكلة تعتبر تهديدا للبعد الحضاري للمملكة العربية السعودية، وهي هدم المباني القديمة ذات التاريخ العريق.

وفي هذا الصدد، تعتبر المدرسة "التذكارية" أول مدرسة نظامية في العاصمة الرياض، أسست قبل 72 عاما، وسميت بذلك -بحسب صحيفة الشرق الأوسط- تذكارا بعودة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- من زيارته التاريخية إلى مصر، وقد عبر أهالي الرياض عن ابتهاجهم بعودة الملك فقرروا إقامة حفل كبير بهذه المناسبة، وجمعوا لذلك أموالا كبيرة، لكن الملك عبدالعزيز بحكمته وحسه الوطني أبلغهم برغبته في عدم إقامة هذا الاحتفال، مقترحا أن تصرف الأموال التي جمعت في إنشاء مدرسة، وهكذا كان ميلاد هذه المدرسة في شارع البطحاء وسط الرياض، وسميت بداية بالمدرسة الأهلية إلى أن اقترح الملك فيصل -رحمه الله- تسميتها بـ"التذكارية".

اليوم للأسف، لم يبقَ شيء من مبنى المدرسة الطيني مما نشاهده في الصور الفوتوجرافية، وإن حمل المبنى الحديث للمدرسة الاسم نفسه، لكن المبنى القديم لم يعد موجودا كعمق حضاري تقف عليه أجيالنا القادمة!

وفي هذا الاتجاه، شاهدت فيلما وثائقيا بعنوان "أيقونة الدلم" يوثق تاريخ مدرسة ابن عباس في مدينة الدلم بمحافظة الخرج، والتي يقف مبناها اليوم شاهدا على تاريخ عريق حاملا ذكريات 6 عقود، إذ تقع مدرسة "ابن عباس" مقابل ما تبقى من سور الدلم التاريخي المسمى بـ"الحامي"، وقد دهش أهالي القرية الطينية حين ذاك من شكل وحجم المبنى، إذ لم يعتادوا على مثل هذا النوع من البنيان، وأصبح المبنى اليوم جزءا لا يتجزأ من تاريخ مدينة الدلم في العهد السعودي، كونه أبرز معلَم حضاري حديث في محافظة الخرج، بل إنه باقٍ في الذاكرة الجمعية لأهالي الدلم باعتباره مركزا علميا وحضاريا وثقافيا، وما زالت مدرسة ابن عباس الابتدائية تنشط بالحياة كل صباح، كما كانت عليه أول مرة عام 1957م.

لكن الأخبار المؤسفة تقول، إن هنالك نية لهدم مبنى مدرسة ابن عباس في الدلم؛ من أجل توسعة الشارع الذي تقع فيه لأمتار محدودة جدا! وهذه معضلة حقيقية لأنها هدم للتاريخ الحضاري، وفق ما تحمله من نظرة آنية للحضارة، بعيدا عن مفهوم البناء التراكمي الذي تقوم عليه، وهذا الأمر إن حصل ففيه عدم وعي بقيمة البعد الحضاري السعودي، فهذا المبنى ليس ملكا لأحد، بل هو جزء من التاريخ والواقع الحضاري الحديث للمملكة.

وهنا، أدعو رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، ووزير الشؤون البلدية والقروية، ووزير التعليم، إلى إنقاذ المبنى من براثن الآلات الضخمة التي ستقف عليه قريبا لتقتلع جزءا من التاريخ والذاكرة والبعد الحضاري السعودي.