ظلت الأوساط الثقافية / الفنية في مدينة جدة تتناقل على مدى سنوات - دونما تأكيد قطعي - "حكاية وجود عود الشاعر حمزة شحاتة" (1910م - 1972م) الذي ينتشر عنه كثيرا أنه إلى جانب كونه أحد رواد الأدب والشعر في السعودية كان ملحنا وموسيقيا، بحوزة الفنان التشكيلي أحمد فلمبان. الشاعر والموسيقي أيضا عبد الهادي الشهري قطع الشك باليقين في زيارة أخيرة لمنزل ومرسم فلمبان، اطمأن فيها على صحته بعد تدهور وضعه الصحي أخيرا، وفقدانه سمعه، نقل إليه تحيات الوسط الفني / الثقافي، وخاض معه في الشأن الثقافي، عبر الكتابة، حيث " لم يعد فلمبان يسمع" .. فقد حاسة السمع، لكنه بروحه الوثابة كان قادرا على خوض "رحلة مع اللون والنغم".
عن حقيقية عود شحاتة قال الشهري: أحضر العود.. سألته إن كان صحيحا أنه عود الشاعر حمزة شحاتة وما هي قصته؟ فأخبرني أن العود آل إليه عن طريق أحد أقاربه كان على صلة بالشاعر. بعدها بسنوات صادف ابنة الشاعر الكبير ورأته يعزف عليه فصاحت متذكرة "عود بابا"..بعد هذه الحادثة أصبح للعود قيمة أدبية وتاريخية لارتباطه بالشاعر الكبير ونال المزيد من الاهتمام والرعاية.
حديث الطباشير
ولأن اللون امتزج مع الصوت لدى الفنان التشكيلي والموسيقى العازف على أكثر من آلة الفنان أحمد فلمبان على نحو وثيق إلا أن اللون أصبح أكثر وضوحا في الآونة الأخيرة، وتحول الصوت وموجاته إلى علامة صمت أكبر بكثير من علامة "الروند" أو المستديرة في المدرج الموسيقي.
يؤكد الشهري ويضيف: كان حديثي معه يصله عبر لوح صغير وطباشيرة بيضاء أدون بها على ذلك اللوح مجيبا أو سائلا.. كنت قد طلبت منه عبر رسالة نصية تزويدي بأسماء الماركات الجيدة لأوتار الكمان والأقواس ليتسنى لي شراؤها. لكنه بكرمه ونبله وعدني بأوتار وقوس مجانا. وذكر معللا عدم جدوى الشراء بأن ما يتلاءم مع آلة قد لا يناسب آلة أخرى، قال هذا التعليل وهو يذكر أن أحد أصدقائه الإيطاليين أهداه كمانا جيدا وتناوله من دولاب قريب وبدا أنه بالفعل هدية قيمة من رجل يقدر فنه وموسيقاه كما يقدر الإيطاليين جميعا ريشته وألوانه.
عرض علي أخذ الكمان لكنني ذكرت له صادقا بأن لدي عدة آلات بعضها جيد وأكاد أجزم أن الخلل فيّ أو في الأوتار والقوس في أحسن الأحوال!
تذكرت قول أبي تمام:
ولو لم يكن في كفه غير روحه
لجاد بها فليتق الله سائله
توثيق ودأب وحيوية
الزيارة التي قام بها الشهري، ملأته يقينا بأن فلمبان لم يستسلم لأوجاعه وتعبه، قائلا: تطرق بنا الحديث إلى مشاريعه الفنية والكتابية، حيث أنجز مجموعة "اجترار المواجع" أخبرني مندهشا بأنه أصبح يرى بشكل أفضل، ربما يعود تحسن الرؤية على حساب حاسة السمع، وأضاف ضاحكا أنه بدأ مرحلة جديدة في التعرف على الألوان، ما يزال يمارس الكتابة في الفن، وهناك كتب معدة وجاهزة للطباعة، فاجأني بتنظيمه الدقيق للمقالات التي يكتبها مرتبة حسب تواريخ نشرها، وقد بذل جهدا واضحا في كتابتها على جهاز الحاسب، تنظيمه لم يكن مقتصرا على جانب دون آخر، أشار إلى إحدى الخزانات ، كان جزءا كبيرا مخصصا لأشرطة الكاسيت وتسجيلاته الخاصة، مرتبة في مجموعات كانت الأشرطة تحمل عناوين وتاريخا، أخذ يقرأ بعض تلك العناوين وأسماء الفنانين كان من بينهم أسماء بعض مديري مدارس في وقت كانت الموسيقى من روافد الجمال، وصمّ البعض آذانهم عنها اختيارا !!
دوزنة
وعن إحساسه بفقده حاسة السمع، وتأثير ذلك فيه كونه لا يستطيع التواصل مع نغم الكمان؟ قال الشهري: انشغلنا بالكمانات الحسان من كل جانب، بدأنا بدوزنة أوتار كمانته الأثيرة، وتناول صفارة تستخدم في الدوزنة وأخذ يملي علي حروف أوتاره، أخبرني بأنه قد مضى أكثر من سنتين على آخر مرة يتذكر أنه قد عزف عليه. كان ذلك قبل إجرائه عملية القلب المفتوح في إيطاليا وزراعة أحد الصمامات، نجحت العملية لكن خبا صوت الكمان وأصوات أخرى حبيبة، غابت تماما عن أذنيه! ذكر لي أن الطبيب قد أشار إلى إمكانية إجراء عملية يستعيد فيها السمع لكنه أي الطبيب يخشى أن تؤثر على صمام القلب ولا بد من مضي فترة كافية على العملية.
تناول الكمان بعد انتهائنا من الدوزنة وبدأت أصابعه سريعا تتلو أحد المقامات وسماه لي: "بنجكة صح؟" كان بالفعل كذلك!!
