لن آتي هنا على تفاصيل ما دار مساء الثلاثاء الماضي في المجلس الشهري الذي يخصصه الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين، أمير منطقة مكة المكرمة، للالتقاء بعلماء ودعاة منطقة مكة المكرمة، وإن كنت أتمنى كما يتمنى غيري أن يقوم الإخوة في العلاقات العامة بإمارة المنطقة، وبكل وسيلة متاحة؛ بنشر الاستهلال الجميل المرتجل الذي بدأه سموه الكريم لمجالس هذه السنة، والذي جاء معبرا عن هم عام، عند الأمير وعند الجميع، وهو (الثقافة والفكر)، والذي تولى تلويثه كوادر الأحزاب المستترة بالله، وبالإسلام، وبمنهج خفي، تقاسموه فيما بينهم، وحاولوا بواسطة تنفيذه تشويه الصورة الجميلة للإسلام الحقيقي، حتى غرروا بالعباد، وأساؤوا به إلى البلاد.
واضح تماما أن من أبرز دلائل أزمات الفكر والثقافة التي نعاني منها هو احتكار الحقيقة، ورفض قبول الرأي الآخر، وتكفير المخالف، ومصادمة المفاهيم الشرعية، وعدم إعطاء أي اعتبار للقيَم الإنسانية، والتلاقي بين الثقافات.. كما أنه ليس لدى العقلاء أي شكوك في أن بناء السلام المجتمعي في المجتمعات لن يتم في ظروف فكرية تبيح ممارسة أي صنف من صنوف الإرهاب، واجتثاث ذلك يحتاج إلى مبادرة شاملة تعظّم مركزية الفرد، وتحقق له السلام الخاص والعام، وتجعله في مأمن من أن يتلوث عقله وقلبه..
إن النجاة من أزمة هذا الفكر الذي اكتوينا جميعا بناره، لا سبيل إليه إلا بمعالجة البيئة الحاضنة له، التي أنتجت أشكالاً من الغلاة، والغزاة، والطغاة، والفجرة، والظلمة، وغاب فيها احترام الآخر، وتقدير ثقافته، والاستماع لرغباته، ولا سبيل إلى الخلاص من هذه الأزمة الفكرية إلا بخطاب يصبّ في خدمة الصالح العام، ويجمع مكونات هويات الناس، ويصون وقارها، ولا يفرط في حقوقها واستحقاقاتها، ولا بد أن تستقيم أحوال كل فرد، ولا بد من تحقيق التوافق والتوازن في العلاقة بين "الأنا" و"الآخر"، وبين "الفكر" و"الواقع"، والانتقال من ثقافة "الأنا" إلى ثقافة "النَحْنُ"، ولا بد من تعزيز الاهتمام بالثقافة في كل مكان، بصرف النظر عن الانتماء الفكري للمنتسبين إليها، دون مبالغة، أو تشدد، بل بعرض منطقي متماسك، ولا بد من التصدي بكل قوة لما يتمّ من تحويلٍ وتحريف للمفاهيم، ولا بد قبل هذا وبعده من مشروع حضاري متفق عليه من الجميع، وليس من مجموعة، وبدون ذلك لن تزول الأزمة، ولن تتم المشاركة الفاعلة في صنع مستقبل أجيالنا..
ما عندي شك في أن مواجهة التطرف والقتل باسم الدين تحتاج إلى جهد جماعي من العلماء والمفكرين والمثقفين، ومن هنا كانت الحاجة ملحة في التأكيد المستمر على أن السلطة اليوم هي لصالح الفكر، وأن الوعي بدور الفكر في إثارة أزماتنا مهم، ولا يمكن حل ذلك إلا برفع مستوى النقاش الفكري بين عموم من ذكرتهم، خاصة مع أولئك الذين يعتقدون أن مهمتهم هي حماية الدين، بينما الدين هو الذي يحميهم، وليس ما يظنون، وقديما علمنا السابقون: "لا تحفظ القرآن، بل اجعل القرآن يحفظك".