تجدد اللغو الإسرائيلي حول "ماهية هوية" الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية، في ظل تجاوز حجمهم الديموجرافي نسبة 22%. فطالبهم الصحفي الإسرائيلي حاييم شاين بأن يقرروا ما إذا كانوا إسرائيليين أو فلسطينيين. وتناسى عمداً التصنيفات الإسرائيلية لفلسطينيي 1948 المعمول بها التي تقسم ما تسميه بـ"الوسط العربي" إلى: عرب ومسيحيين ومسلمين ودروز وبهائيين وشركس وبدو.
وأوضح شاين أن "الاستثمار في الوسط العربي مهم جدا على خلفية حرص إسرائيل على الديموقراطية التي تعتبر المساواة قيمة أساسية". لكنه أكد على أنه على "عرب إسرائيل" وأنصار "اليسار" الإسرائيلي أن يدركوا أنه "مقابل حق الحصول على الحقوق المدنية هناك أيضا الواجبات" التي تشتمل على مسائل الولاء والخدمتين المدنية والعسكرية.
واكتشف روني شكيد الصحفي في صحيفة "يديعوت" أنه: "من الصعب أن يكون المرء عربيا، مسلما ومواطنا إسرائيليا في نفس الوقت. من الصعب على المرء أن يكون مواطنا في دولة هي عدو لأبناء شعبه، ومؤسساتها تميز ضده، وجماعات عديدة من بين أغلبيتها يرون فيه خطرا، وحكومتها تضعه في أسفل سلم أولوياتها. من الصعب على المرء أن يكون في عقدة الهوية ومعضلة الولاء. ولا مجال للخطأ. في هويتهم العرقية ـ القومية فإن عرب إسرائيل هم فلسطينيون، بالضبط كإخوانهم في نابلس، الخليل وغزة، أو أولئك الذين يسكنون في الأردن وفي لبنان. واقع حياتهم كمواطنين إسرائيليين فرض عليهم في 1948 كنتيجة لإقامة الدولة، واتفاقات أوسلو فرضت مستقبلهم داخل دولة إسرائيل، إذ إن اعتراف م.ت.ف بإسرائيل حدد حدود الكفاح السياسي الفلسطيني بخطوط 1967 وأخرجهم من الحل السياسي ـ الحزبي لحركتهم الوطنية. وقد بقوا جزءا من مشكلة النزاع ولكن ليسوا جزءا من حله".
والاكتشاف الأهم لشكيد هو وجود "ميل ثابت في أوساط عرب إسرائيل للتكيف والانخراط في حياة الدولة. وواقع الحياة والرغبة في البقاء على أرضهم جراهم إلى سياقات الأسرلة، واليوم لم يعد ممكنا قطعهم عن المجتمع الإسرائيلي. (...) الكثيرون يتعلمون في الجامعات والكليات الإسرائيلية. العبرية طلقة على لسان معظمهم ـ وبشكل عام أنتجوا لغة جديدة (عربرية)، تخلط في داخلها عناصر وصياغات من اللغة العبرية".
وتبين من استطلاع أجراه البروفيسور سامي سموحة من جامعة حيفا في نوفمبر 2015 أن لـ 73.2 % من العرب يوجد عنصر إسرائيلي في هويتهم. والأغلبية الساحقة من العرب في إسرائيل شجبوا ونددوا بالقتل في تل أبيب، بعد أن ميزوا أنفسهم عن عنف السكاكين للفلسطينيين في المناطق وردوا بضبط للنفس على إخراج الحركة الإسلامية عن القانون.
ووصف جدعون ليفي حال الفلسطينيين في إسرائيل، في صحيفة "هآرتس" بقوله: "تخيلوا ماذا يعني أن تكون اليوم مواطنا عربيا في دولة إسرائيل: فقط الخوف واليأس. لا يوجد يهودي في العالم، حتى في فرنسا "اللاسامية" وإيران "الشيطانية"، يعيش في خوف واضطهاد ورفض. أنت تتجول في شوارع تل أبيب والخوف والإهانة يرافقانك. وفي القدس ربما يطلقون عليك النار. وفي العفولة يطردونك. ومن الأفضل أن لا تتحدث بلغتك. ومن الأفضل الامتناع عن أي شيء يكشف عن هويتك. كُن يهوديا خارج البيت وعربيا في داخله".
ورغم ذلك أشار إلى أنه "ينشأ جيل يحاول أن يندمج في اليهودية الديموقراطية التي وُلد في داخلها رغم أنفه". وإذا كان الفلسطينيون مواطني الدولة "عرب إسرائيل" باسمهم المفروض، يختارون الخنوع والتملق، فإن مصير الديموقراطية الإسرائيلية هو الخراب. فكلما خنعوا سُحقوا أكثر، وسُحقت معهم الديموقراطية. وإنقاذها لن يأتي من الأغلبية اليهودية. فهم غير مبالين بمصيرها، أو أنهم يعتبرونها خطيرة، وبالذات من قبل هذه الأقلية التي تعتبر الحرب من أجل الديموقراطية هي حرب من أجل بيتها ومصيرها".
تشير هذه العينات من الجدل الإسرائيلي حول واقع ومستقبل الفلسطينيين في إسرائيل إلى معضلة الخطر الداخلي البنيوي الذي تواجهه إسرائيل، ويضعها على مفترق خيارات صعبة، منها الخيارات النظرية التالية:
1 - خيار الوضع القائم: حيث تعرّف إسرائيل نفسها من خلال "وثيقة الاستقلال" كدولة يهودية.
2 - خيار التحسين الأقصى في إطار الصهيونية ويعني هذا الاستجابة لكثير من المطالب الجماعية للأقلية العربية. وتحافظ إسرائيل بموجبه على طابعها "القومي" كدولة الأغلبية، غير أنها ستحصل تغييرات في صيغة الديموقراطية العرقية الحالية.
3 - خيار الانفصال /أو الترانسفير، يمكن أن يتخذ أحد الأشكال الثلاثة الآتية: فصل جغرافي أو بناء كيان سياسي مستقل في المناطق التي تشكل فيها الأقلية غالبية سكانية، أو فصل إلزامي أو متفق عليه يتم بموجبه تبادل سكاني "ترانسفير".
4- خيار الدولة الثنائية القومية داخل "الخط الأخضر": ينطلق من حقيقة أن واقعا ثنائي القومية قائم، على رغم الهيمنة اليهودية في جميع المجالات.
7 - خيار الدولة الثنائية القومية على كامل مساحة إسرائيل/فلسطين.
ولا بد من الإشارة إلى أن تدويل قضية فلسطينيي 1948 يذكر بحال ومصير تدويل قضية فلسطين وقضايا عربية أخرى. فقد سبق تحديد 29 نوفمبر يوما دوليا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي اختير لما ينطوي عليه من معانٍ ودلالات بالنسبة للشعب الفلسطيني. ففي ذلك اليوم من عام 1947، اتخذت الجمعية العامة القرار 181، الذي أصبح يعرف باسم قرار التقسيم.
وقد يكون أمرا مهما إعلان يوم عالمي لدعم حقوق فلسطينيي الـ48 والقيام بنشاطات في 35 عاصمة عربية وأوروبية وآسيوية وإفريقية. لتجنيد دعم دولي لحقوق فلسطيني الـ48، على غرار ما يحدث في 30 مارس من كل عام لإحياء ذكرى "يوم الأرض". وأيضا لتسليط الضوء على قضايا فلسطينيي 1948، وللكشف عن التناقض الصارخ بين الواقع القائم في إسرائيل، بفعل سياسات التمييز العنصري، والمعايير الأساسية لحماية حقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومي، خصوصا الإعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلية لعام 2007، والإعلان العالمي بخصوص حقوق الأقليات القومية واللغوية والدينية والثقافية لعام 1992.
ويعتقد عضو الكنيست عن التجمع الوطني الديموقراطي باسل غطاس، أن "تدويل قضايا عرب الداخل أصبح أمرا مفروغا منه، خصوصا مع تلك الأوضاع السياسية وخلط الأوراق بشأن إمكانات حل الصراع وابتعاد حل الدولتين المقبول دوليا".
في السياق نفسه، يعتقد مدير المشاريع البحثية في مركز "مدى الكرمل"، إمطانس شحادة، أنه "بات من الواضح أن فلسطينيي الداخل بدؤوا بتكوين قناعة بأن العمل والنضال بالأدوات المتاحة لهم في الحلبة السياسية الإسرائيلية غير كافيين، وأن هامش النضال السياسي المتاح وفقا للشروط الإسرائيلية لن يغير الكثير". وبالمقابل، يدعو المؤرخ مصطفى كبها إلى عدم تحميل مبادرة تحديد يوم عالمي للتضامن مع فلسطينيي 1948 أكثر من حجمها، وفعاليتها السياسية الرمزية.
وتبقى "الفلسطنة" بوصفها تأكيدا للانتماء القومي للشعب الفلسطيني ووحدة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، هي نقيض "الأسرلة" بمعناها الذي يقلص القضية الوطنية إلى قضية حقوق مدنية، أو قضية أقلية ربما تتطلب حلا على النمط الكوسوفي.