القرار الذي أصدرته القيادة السعودية، بتجميد المساعدات للجيش وقوى الأمن اللبنانيين، ردا على المواقف المناهضة للمملكة، والتي اتخذتها الحكومة اللبنانية، ممثلة في وزارة خارجيتها، وجد ردود أفعال مرحبة، ليس داخل المملكة فقط، بل خارجها، وداخل لبنان أيضا.

لقد دأبت المملكة منذ سنوات طويلة على الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني الشقيق، وقدمت الدعم والعون المتواصلين لحكوماته المتعاقبة، ماديا وسياسيا واجتماعيا، انطلاقا من موقعها ككبرى الدول العربية والإسلامية، وهو دعم لم يأخذ شكل المن ولا الأذى، ولم يستهدف طائفة دون غيرها، ولا مكونا سياسيا أو مذهبيا بعينه، فقدمت المال التنموي ولم تقدم السلاح، وأتاحت للجيش اللبناني أن يختار الدولة التي يريد التعامل معها عسكريا، وأنواع السلاح التي هو في حاجة إليها، دون اشتراط.

كما فتحت المملكة أبوابها أمام جميع اللبنانيين، وسمحت لهم بالعمل في أرضها، ولم تفرض عليهم سوى الالتزام بالأنظمة المرعية التي توجب على مواطنيها قبل المقيمين احترامها، وسمحت لهم بتحويل أموالهم وأرباحهم إلى بلادهم، بلا قيود، حتى باتت أحد أهم مصادر الدخل القومي.

ومدت المملكة يدها للبنانيين عندما أوشكت الحرب الأهلية أن تفتك بهم وتذهب ببلادهم إلى غياهب النسيان، فاحتضنتهم دون تمييز، في مؤتمر الطائف الشهير الذي حقن دماءهم، وأعاد لحمتهم، وأخذت بأيديهم حتى توصلوا بأنفسهم إلى اتفاق صار دستورا لبلادهم.

لم يتوقف الدور السعودي عند هذا الحد، فاستخدمت علاقاتها الدولية المميزة، ووظّفت اتصالاتها الواسعة مع الدول الكبرى ومواردها لإعادة إعمار البلد الذي دمرته الحرب، وبادرت إلى تقديم الدعم والتبرعات والهبات والقروض، حتى استطاع لبنان الجريح أن يقف على قدميه من جديد.

وللأسف.. كان الجزاء من غير جنس العمل، حين ظن بعض المحسوبين على لبنان أن بإمكانهم المساس باليد التي امتدت إليهم بالإحسان، والإساءة لمن قدَم إليهم الجميل، فطفقت بعض الأبواق الطائفية في محاولات النيل من المملكة، باستغلال منابر مشبوهة، وإقامة حفلات الشتم المنبرية للإساءة إلى الرياض، وتحمَّلت المملكة كل ذلك بصفح جميل، وحلم عربي أصيل، رغم الصمت المريب الذي مارسته السلطات اللبنانية الرسمية، والتي بدا أنها مرتهنة لقرار حزب الله المنقاد أساسا لمرشد إيران.

لقد تمادى أصحاب المخططات الخارجية التي لا تمت إلى مصلحة لبنان بأي صلة في غيهم، ووصلت تجاوزاتهم حد تهديد حياة ممثلي البعثة الدبلوماسية السعودية في بيروت، وهو ما أعلنته الأجهزة الأمنية اللبنانية نفسها، وتنادى كل شرفاء لبنان إلى رفضه وشجبه، وسارع الدبلوماسيون العرب إلى إبداء تضامنهم مع السفارة السعودية، والوقوف إلى جانب ممثليها.

كل ذلك تحملته المملكة بصبر وأناة، أملا في أن يعود أصحاب النظرات الضيقة إلى رشدهم، ويصطفوا لتمثيل شعبهم وعروبتهم، عوضا عن الارتهان للنظام الإيراني. إلا أن الأمر زاد عن هذا الحد، عندما تخاذل وزير خارجية لبنان وممثله الرسمي، ورفض الوقوف إلى صف الإجماع العربي، والتوافق الإسلامي في إدانة الاعتداءات التي تعرضت لها الممثليات الدبلوماسية السعودية في إيران، وهي الاعتداءات التي بادرت كل الدول العربية والإسلامية والأممية بإدانتها، بل إن النظام الإيراني نفسه لم يتردد في التبرؤ مها –لذرائع سياسية معروفة– وأعلن على لسان مرشده أنها اعتداءات مرفوضة، أساءت لصورة بلاده وأضرّت بها.

إلا أن وزير خارجية لبنان وفي "صفاقة" غير مسبوقة، هو وسيده الجنرال، أرادا أن يكونا إيرانيين أكثر من الإيرانيين أنفسهم، فقد ارتهنا لقرار الحزب الميليشياوي الذي أعلن صراحة ولاءه العضوي لدولة المرشد الأعلى وليس لوطنه، وتجاهل وزير الخارجية اللبناني متطلبات وظيفته التي تلزمه بالتعبير الصادق عن مواقف الشعب والحكومة، تطبيقا لمواد دستوره الذي يؤكد هوية لبنان العربية، وامتثالا للبيان الوزاري الذي قامت عليه حكومته، وإعلان بعبدا الشهير الذي يلزم الحكومة بالوقوف والاصطفاف إلى جانب الإجماع العربي، إلا أنه تناسى كل ذلك، وأراد استغلال موقعه لتحقيق أهداف سياسية رخيصة، ومكاسب حزبية مؤقتة، فكان لا بد من مثل هذا الموقف الحاسم الذي أعاد الأمور إلى نصابها الصحيح.

المملكة لم ولن تكون في يوم بحاجة إلى تضامن أحزاب قدمت مصالحها على مصالح وطنها وشعبها، فالسياسة السعودية قامت على مبادئ احترام سيادة الآخرين، وعدم التدخل في شؤونهم، بل والوقوف إلى جانب الأشقاء العرب في أوقات الشدة، فقد دفعت كل الدول إلى إبداء تضامنها التام مع المملكة، والوقوف في وجه الغطرسة الإيرانية، للدرجة التي دفعت بعض الأشقاء إلى قطع علاقاتهم مع طهران، كما فعلت الرياض، فيما هدّدت دول أخرى باتخاذ المسلك نفسه إذا لم يتوقف النظام الإيراني عن اعتداءاته، ويتوقف عن تجاوزاته، وهي مواقف مشرقة ستبقى خالدة في أذهان السعوديين وذاكرتهم.

إلا أن ما حزّ في النفوس، أن يقابل العطاء غير المسبوق بجحود كبير، وأن يظن الآخرون أن ما تقدمه لهم الرياض هو واجب لا بد من القيام به.

لذلك كان القرار السعودي الحازم صفعة على وجود المسيئين، فقد تلقوا الرسالة "السلمانية" الحازمة، رسالة مفادها إعادة صياغة أسس التعامل على قواعد دبلوماسية جديدة، أساسها الاحترام المتبادل والمصالح القومية، وأنه لا مجال لأي تجاوزات جديدة، أو تطاول وانتهاك، ولسان الحال يتمثل في قول الشاعر العربي:

ووضع الندى في موقع السيف بالعلا

مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى