في مناظرة سابقة بين الراحل الدكتور أحمد الربعي، ورئيس تحرير صحيفة عراقية؛ قال له الربعي: (أقسم بالله أتعاطف معك، أنت خايف على أولادك يا أخي، لو قلت غير ها الكلام تروح فيها، أنت تقول أني ناطق رسمي للكويت، أنا والله العظيم لو سألوني سؤال ضد الكويت، وأنا مقتنع ضد حكومة الكويت، لتكلمت بحرية، رَح أروح أنام في بيتي مع أطفالي ماني خايف من أحد). قارن هذا الموقف بما ذكره الكاتب المغترب خالد القشطيني أنه في أثناء عودته إلى بلده العراق، أُخبِرَ من أحد أصدقائه -وكان محاميا- أن الفصل الأول فقط من كتابه الأخير عليه ثلاث عقوبات إعدام، فقرر العودة على وجه السرعة إلى لندن!.

قد يصلح أن يكون هذا الكلام مدخلا للمقارنة البسيطة بين أنظمة الحكم العربية بشقيها الجمهوري والملكي، لنعرف سراً من أسرار ذلك الانهيار السريع الذي طال بعض الأنظمة الجمهورية الحاكمة، في حين أن نظاما واحدا من الأنظمة الملكية لم يسقط أو يكن مهددا بالسقوط، وكل محاولات التخريب والزعزعة والتدخل باءت بالفشل، بسبب أن الأوضاع فيها مهما تراجعت فهي لا تصل إلى مرحلة اليأس والإحباط والتذمر، مع أن الأنظمة الجمهورية دأبت على إرهاب الجماهير وتخويفهم من خلال بسط سيطرتها على شعوبها المحكومة بالحديد والنار، وكانت تلك الجماهير مهددة بزوَّار الليل وتجنيد المخبرين وفرق التعذيب إلى درجة أن الثقة بين المواطنين تكاد تكون معدومة، حتى تولد شعور عام لدى الناس أن الحكومة تحصي عليهم أنفاسهم، وشاع بينهم أن (الحيطان لها ودان)، وكانت الأفلام العربية تمعن في هذا الترهيب بقصد أو عن غير قصد، من خلال تصويرها الحكومات أنها تعرف عن الناس أكثر مما يعرفون هم عن أنفسهم، فلا تكاد تخلو مشاهدها من المخبرين الذين يتواجدون في الأماكن العامة ليراقبوا الناس من خلال ثقوب يحدثونها في أعلى الصحف التي يتظاهرون بقراءتها، وباقتناص كلمات يسترقونها من أحاديث الناس البسيطة الخاصة الساذجة وهمساتهم، ومع محاولات كظم الناس غيظهم، إلا أن ما يعتمل في الصدور كان يخرج على هيئة نكات غالبا، وتحشيش أحيانا!، رغم أن النكتة نفسها ليست مأمونة العواقب، وقد تذهب بصاحبها إلى المعتقل، حتى قيل إن راوي النكتة السياسية لا يحتاج إلى روايتها إلا ثلاث مرات، لأصدقائه، وعند استجوابه، ولرفاقه بالمعتقل!، ولربما تراءى لجمهوريات الخوف العربية أن التعتيم وتكميم الأفواه وإخراس الألسن سيطيل في أعمارها، وما زاد الطين بلة أن وسائل إعلامها لم تكن موجهة إلى الشعوب، بقدر ما كانت موجهة إلى الحكومات، تدغدغ مشاعرها وتتغنى بأمجادها وتُسبِّح بحمدها آناء الليل وأطراف النهار، حتى أغرقتها في النهاية، عندما كسرت تلك الجماهير المحرومة الصابرة حاجز الخوف، فانتفضت على حكوماتها، وليتها لم تنتفض!، فهي وإن تخلصت من طغاتها إلا أن الثمن كان باهظا جدا، وكان حالها معهم بين مستأثر مسيء للأثرة، وجازع مسيء للجزع!.

لست أريد في هذا المقال أن أُطبِّل للأنظمة الملكية، أو أضفي عليها هالة من الكمال المطلق، لكن لا يمكن مقارنتها بما كان يحدث في جمهوريات الخوف العربية من القهر والذل والتسلط وانتهاك حقوق الإنسان وحكم الأجهزة القمعية، فالأنظمة الملكية تعودت على تصحيح نفسها من الداخل، وتتطور على نحو ملحوظ في مجالات حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وحرية الرأي والتعبير، كما أن أغلبها تتيح -على الأقل- الحد الأدنى من المشاركة الشعبية، وفي أكثر مراحل تخلفها لم تصل إلى مرحلة الولوغ في دماء شعبها، مع التأكيد على أن هذا الكلام خاص بالعالم العربي، لأن الوضع في أوروبا مختلف تماما، وكان هنالك ارتباط وثيق بين الأنظمة الملكية ونظام الإقطاع ومحاكم التفتيش في القرون الوسطى.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم الوضع في دول الخليج تحديدا، ولعله يريد أن يعرف فيما إذا وصلنا إلى حد معقول -على الأقل- في مجالات حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وحرية الرأي والتعبير، وستكون الإجابة بالنفي قطعا، مع الاعتراف بأن لدينا بعض النقص في أكثر من جانب، وما لم نصل إلى مرحلة تتناسب مع مكانة دولنا في العالم وقيمة حكوماتها في نفوس أبنائها، فلقد أسرَّ إليَّ أحد الأصدقاء أنه يتوجس خوفا عندما يريد التعبير عن رأيه في وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى الصحف، لأنه يخشى من استغلال البعض لقانون النشر الإلكتروني، فقلت له: إما أني متفائل جدا، أو أنك متشائم جدا، فلم أشعر للحظة بأني أجد صعوبة في التعبير عن رأيي أو الرد على مسؤول أياً كان منصبه أو قيمته الاجتماعية، فأقصى ما أتوقعه أن أُلَام على هذا الرأي أو الرد، ومن حق الوطن أن يعتب على أبنائه أحيانا، وكثيرا ما أقول لصاحبي إن خوفي من الرقيب أكثر من خوفي من الحكومة، ولكم وددت أن أتحمل وحدي مسؤولية ما أكتب، حتى لا يُحجَب لي رأي أو مقال!، فقال لي: إني أنصحك ألا تكون متفائلا أكثر مما يجب، في ظل قوانين عامة فضفاضة تعني كل شيء، أي أنها لا تعني شيئا على الإطلاق، وتعتمد على نفسية مطبقها وثقافته وميوله الفكرية، أكثر مما تعتمد على الحقائق الدامغة والأدلة القطعية، فقلت له: قد يكون في كلامك بعض الحق، لكن ما أنا متأكد منه أن الوطن أوسع بكثير مما يريدون تصويره في عقولنا من أجل قتل الأمل في نفوسنا، وسنظل متمترسين خلف نوايانا الطيبة وحسن ظننا بحكوماتنا، متمثلين قول أمير الكويت الأسبق الشيخ صباح السالم الصباح، رحمه الله:

أنا وشعبي "كلبونا" جماعة

الدين واحد والهدف خدمة الشعب

لا ضاق صدر الشعب ما استَرّ ساعة

أضيق من ضيقه واستَرّ لا حب.