شهدت في العاصمة الإندونيسية الأسبوع الماضي مجموعة فعاليات علمية، كل واحدة تستحق مقالا منفردا.. الناس هناك متعودون على التنوع الديني، والتسامح شعارهم البارز، ساعدهم على ذلك أن بلادهم تتواجد على أكثر من 17000 جزيرة، ومواردهم، وأعراقهم، ولغاتهم، وأديانهم، وحضاراتهم متنوعة، فمع الإسلام توجد المسيحية، وهناك البوذية وسواها من معتقدات ما زالت تمارس حتى اليوم.
مؤسسو إندونيسيا كتبوا عام 1945 في دستورهم أساسا حاكما لإدارة تنوعهم، وجعلوا له مبادئ خمسة، هي الربانية المنفردة، والإنسانية العادلة، والوحدة، والشعبية أي الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، ورغم الاعتراف بالدور الهام للدين في حياتهم، إلا أنه لا يُعترف بدين معين، ولا حتى الإسلام، رغم أنه دين الغالبية، وأنه عقيدة الدولة، وحسب قانونهم تملك الدولة سلطة التحقيق ومحاسبة أية مجموعات تُتهم بانتهاك التعاليم الدينية.
من أكثر ما شدني في جاكرتا (مجلس العلماء الإندونيسي)، وهو مجلس يشبه هيئة كبار العلماء عندنا، أنشأه الرئيس سوهارتو عام 1975، وأصبحت له فروع مختلفة في أقاليم البلاد، ويضم أكثر من (76) جمعية إسلامية، ومن أهمها (نهضة العلماء) و(المحمدية)، وهما تنظيمان تخرجا في الأصل من مدرسة واحدة؛ فالشيخ هاشم أشعري درس الإسلام في مكة المكرمة مع إندونيسي آخر هو السيد أحمد دحلان، وبعد عودتهما أسس الثاني الجمعية المحمدية عام 1912، وفي عام 1926 أسس صديقه جمعية النهضة.
التنافس الدنيوي بين الدعاة وجمعياتهم غير ملحوظ؛ فقد وحدتهم الهموم والقواسم العامة، واستطاعوا جمع كافة المذاهب الإسلامية في مجلس واحد؛ وهذا في نظري كان المشجع لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لأن يطلق أمامهم، لهم ولغيرهم؛ دعوة رائعة للتصالح والتسامح بين العلماء، ونبذ الفرقة والتعصب المذهبي الهدام، مبينا للكل أن واجب العلماء في العالم نشر سماحة الدين الإسلامي، ووسطيته، والدعوة إلى التعايش، وقبول الآخر، وعدم إقصائه، وكان تحذيره اللافت، هو من الخطاب التشدد، ومحاولات فرض رأي أو مذهب على الناس، لا سيما أن التراث الإسلامي حافل بثقافة الاختلاف، وعدم إقصاء الآراء المختلفة، أو تفسيق أو تكفير أو تبديع أصحابها، كما يحدث هذه الأيام التي أثبتت أن المتشددين، ومن يروج للتعليم الأحادي لم يكن ليكونوا بهذه الانتشار لولا الدعم المادي والمعنوي الذي يستهدف تفرقة المسلمين، وتغذية الناشئة بالتعصب والتطرف، الذي يرفض الاختلاف وقبول الآخر، موضحا فضيلته أن الأزهر ما زال ينتظر من المرجعيات الشيعية تلبية الدعوة لإصدار بيان مشترك مع علماء السنة لتحريم قتل السني للشيعي وقتل الشيعي للسني، مبينا أن أهل السنة لا يكفرون أتباع المذهب الشيعي، وأن من غير المقبول سب الصحابة، وتكذيب السنة الصحيحة، وإنفاق الأموال في نشر التشيع، والاقتتال المذهبي..
مجلس علماء إندونيسيا مدرسة تعلمت منها أن التناغم الاجتماعي الحقيقي غير مستحيل، وطريق ذلك فتح المجال للتنوع، وعدم الانحياز للرأي الواحد؛ فهذا هو الضمانة لحفظ السلم بين الناس، في وقت بات الجميع يعيب زمانه، والحق أن زماننا لو نطق لعابنا عن بكرة أبينا.