دخلت عند أحد الكرام الذين لا يلبسون العقال، فهش في وجهي بابتسامته التي لا تنقطع مذ عرفته، وبادرني بسؤاله قائلا: ألا تشعر بجو عبق من الإيمان والتقوى إذا دخلت مكتبي (كان يقولها نصف مازح ونصف جاد، ولأنه ملتحي فإنه يجوز له من المزاح ما لا يجوز لغيره دون خشية تفسيق أو تبديع)، فأجبته بكل صدق وشفافية: لو سألتني عن غير الإيمان والتقوى لأجبتك، فأنا أشهد بالله على حسن خلقك وكريم تعاملك وابتسامتك التي تستقبلني بها دائما، أما إيمانك وتقواك فعلمهما الحقيقي عند من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

الإيمان والتقوى بالمعنى الديني لا يكونان إلا بالإخلاص، والإخلاص من أعمال القلوب، وأعمال القلوب لا يطلع عليها إلا الله، ولهذا ورد في الحديث التحذير من الشرك الخفي (الرياء)، وما أكثر المشركين الأخفياء إلا من رحم ربك.

ولهذا تستغرب ممن يطالب بامتيازات خاصة من التقديس والتبجيل والحصانة الاعتبارية لأهل (الإيمان والتقوى)، رغم أن معيار الإيمان والتقوى ليس عند البشر ولا بأيديهم، بل هو عند الله، ومن هو مؤمن تقي فهو مشغول بالله، لا ينتظر جزاء أو امتيازات من أي نوع على إيمانه وتقواه من البشر أو حتى احتراما منهم كمقابل لذلك، لأن كامل مراده فيها هو رضا الله فقط، وإلا لكان من المشركين الأخفياء، أما العلاقات الإنسانية فيجب أن تقوم على معيار الأخلاق الحسنة مع الاحترام المتبادل والالتزام في التعامل صدقا ومروءة وشهامة وكرما وحلما، وغيرها مما يقره كل العقلاء في الدنيا ويعتبرونه من حسن الخلق ويلمسون أثره في ازدهار مجتمعاتهم ونهضتها، وما ورد من آيات تميز المؤمن عن غير المؤمن، فشاهدها الرسول الكريم بين ظهراني الناس، فمن يزعم لنفسه نبوة يؤيدها الوحي ليميز بها المؤمنين عن غيرهم في هذا الزمن!؟!!.

الشرك الخفي وأقصد به الرياء بالجوارح كتعبير عن أعمال القلوب في الإيمان والتقوى، يجعل كثيرين يغضبون لأنفسهم تحت غطاء الغضب لله، فكما تعايشوا مع سلوكهم (الشركي) في الرياء، فقد اصطنعوا لهم وثنية خاصة لأنفسهم، ليجعلوا كل هجوم عليهم أو نقد لهم، هو نقد لله، وذلك لما ترسب عبر السنين من عقيدة الحلول التي لا يقولون بها لسانا ولا اعتقادا لكنها تتكشف في سلوكهم اللاواعي وغضبتهم المضرية لأنفسهم باسم الله، ليكونوا وحدهم لا شريك لهم الممسكين بغمد الحق يضعون فيه سيف باطلهم ثم يمتشقونه ليرهبون الناس باسم الله والحق المبين، فيصطنعون لهم أتباعا عميا يتخذونهم كما اتخذ عوام اليهود أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فإن سألت عوام الناس عن ذلك: قالوا لا نعبدهم إنما ليقربونا إلى الله زلفى.

الرياء في أصله وإن لم يخرج من الملة إلا أنه يفسد العمل، وأساسه حب النفس وخوف الناس لتصبح حظوظ النفس بين الناس هي معيار العمل، وليس معيارها العمل بما يرضي الله وفق ما استقر في القلب من قناعة دينية، مع ما يستتبع (حب النفس وخوف الناس) من حسد وضغينة وكراهية وثأر وأنانية... إلخ من رذائل الطبيعة البشرية المرتبطة بالثرى، بينما حب الله يستتبع الرحمة والغفران والتسامح والإحسان... إلخ من فضاءات الروح المعلقة بما وراء الثريا.

أحد خريجي كلية الشريعة مثلا قرأ كتاب الشيخ عبدالله بن يوسف الجديع في حكم حلق اللحية، واستظهر الأدلة وترجح عنده ما طرحه الجديع في كتابه، ورأى أن يكون بجمال وأناقة وبهاء طلة شيخنا معالي عضو هيئة كبار العلماء الدكتور عبدالوهاب أبوسليمان، حفظه الله، ولكنه تراجع عن ذلك خوفا من شلة أصحابه (الصالحين!!)، وتبقى تلك الشعرات في وجهه شاهدة على ريائه أكثر من شهادتها على تقواه، ومثلها قناعة المسلم في جواز سماع الغناء، ثم يرائي خوفا من الناس بفتوى لا يعتقد صوابها، ومثل هذا كثير، وأكثره للأسف يقع بين طلبة العلم الشرعي خاصة، حيث يعلمون اليقين فيما يعتقدون صوابه في مسائل الفروع التي تقبل الخلاف ولا إنكار فيها، ولكنهم يخشون نكير الغوغاء ومن يستعين بهم من الوعاظ المشاهير، ولهذا صدق الله العظيم: فهو أعلم بمن اتقى، فالتقوى والصلاح لا يقاسان بكمية الشعر في الوجه، ولا بالتزام قول مرجوح في مسألة لأنه أكثر تشددا وعنتا في أعين الناس، فالتقوى دائما وأبدا مردها إلى من لا ينظر إلى صورنا بل إلى قلوبنا.

من حقنا أن نجزم بأن الفيصل في التقوى هي أعمال السر، لا العلن، ولهذا إن كانت المسألة خاصة بالله فأعمال السر أقصر الطرق إليه، وأكثرها تنقية للنفس وصفاء للروح، ولهذا لا يخاف عابد السر من تقلب الأحوال والأزمنة والأمكنة به، لأن رابطته بالله رابطة خاصة نقية صافية لا تشوبها شائبه، أما من لا يقوم بالعبادة إلا باحثا عن رفاق يساعدونه في أدائها، أو يُسَلُّونه في قضائها، أو يواسونه في مشقتها، فليس إلا عابدا ضعيفا، قد تتغير صلته بالله بتغير الأحوال والناس والأمكنة، فهو ممسك بالناس حوله كي يربطوه بالله، ولو استمسك بالله حقاً لأغناه عن كل الناس، فالتقوى ليست شللية أو حزبية، بل عروة خاصة بين العبد وربه، قد يفصمها وهو قائم يصلي بلحظة رياء عابرة.

الدين لا يحتاج أن تكون عضوا في شلة تسميها (الإخوة الصالحين) أو (أنصار الله) أو (حزب الله) أو (أحباب الله)، كتزكية سمجة للنفس والشلة أو الحزب، ولهذا قد تجد أحمق يقول لك: تصدق سافرت للبلد الفلاني واكتشفت وجود نساء كاشفات الوجه وكانوا شريفات عفيفات، وعندما تسأله: ومن قال لك إن كاشفة الوجه غير عفيفة، ليرد: قال لي ذلك بعض (أهل الصلاح والتقوى عندنا)!!.

كل ما ذكرته عن عبادة السر تكلم عنها الأوائل في كتبهم التراثية بما لا مزيد عليه، ولكني هنا أطرحه لعله يجد أذنا صاغية للمشغولين بمكاسبهم عند الله، أما المشغولون بمكاسبهم عند الناس عن طريق الله، فلن يضيف لهم مقالي هذا، فمرادهم حاضر بين الناس، ولهم ما أرادوا من تقية يسمونها تقوى يستحلبون بها الجاه الاجتماعي والوقار الكاذب، وللعابد الزاهد طريق يبدأه بالإخلاص ويحفظه بانشغال قلبه الدائم بما بينه وبين الله، أما غيره من مرتزقة الجوارح بأعمال القلوب فتراهم مشغولين بشكل هستيري بما بين الله والناس، تفتيشا عن المعاصي ومزايدة على العباد، فأين هم من انشغالات ابن عطاء الله السكندري إذ يقول: الستر على قسمين: ستر عن المعصية، وستر فيها، فالعامة يطلبون من الله تعالى الستر فيها، خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق، والخاصة يطلبون من الله الستر عنها، خشية سقوطهم من نظر الملك الحق.

أخيرا هناك في كتب التراث أيضا حكمة فريدة، ترشد الإسلاميين (المخلصين) إلى مكامن الخلل الجذرية دون إرهاق العامة بمواعظ التهديد والوعيد، حيث تقول الحكمة: إذا زهد رجال الدين في المباحات، رتع العامة فيها ولم يتجاوزوها، فإذا رتع رجال الدين في المباحات رتع العامة في الشبهات، فإذا رتع رجال الدين في الشبهات، رتع العامة في الحرام ولا حول ولا قوة إلا بالله، واجتماعيا تُقرأ هذه الحكمة بطريقة: غسيل الدرج دائما يبدأ من الأعلى، وهذه الفكرة تشمل كل طرق الإصلاح في العالم، والله أعلم بمن اتقى.