ما زال بعض شبابنا عرضة لاختطاف عقولهم من الإرهاب الداعشي، هذه حقيقة لا يجب التغافل عنها. هذا ما يبرر بل يفرض الدعوات المستمرة إلى تنقية المناخ الفكري الذي يصنع قابلية تجنيد هؤلاء الشباب.
لكننا نجد في المقابل بعض الدعوات المضادة التي تزعم عدم وجود هذا المناخ، وتطرح لدحض القول بوجوده بعض الحجج بصيغ مختلفة.
أولى تلك الحجج هي: قولهم إن مثل هذا المناخ لو وُجد حقا في الأوساط التعليمية والإعلامية والعامة لأصبح الجميع داعشيا، ولكن بما أن الأغلبية لم ينجرّ إلى "داعش" فذلك يعني عدم مسؤولية بيئتنا الفكرية عن انجرار الأقلية.
ثانية تلك الحجج هي: قولهم إن هذه البيئة الفكرية موجودة منذ عقود، فلماذا لم تظهر مشكلتها قبل نشوء "داعش"؟ هذا يعني وجود عوامل جديدة من المفترض أن يبحث عنها خارج هذه البيئة وليس داخلها.
ثالثة الحجج المضادة هي: الانطلاق من القول، إن صعود "داعش" عمل استخباراتي معقّد، لذلك فالأولى هو مناقشة أدوار الأطراف المشاركة في تلك المؤامرة، وليس تحميل أوساطنا المحلية مسؤولية هذا الأمر.
في الحقيقة، تُرفع مضامين هذه العبارات بشكل دائم في كل نقاش يجري حول احتمالية وجود بعض نقاط الخلل الفكري فيما يتلقاه ويُلقنه ناشئتنا من خطابات تربوية ودعوية.
تعتمد الحجة الأولى على مغالطة "العكس الموهوم"، وهي مغالطة تقوم على الإيحاء بأن كل حدثٍ لا بد أن يكون نتيجة عامل واحد فقط، ولذلك فالأمر لا يستحق أكثر من النظر إلى الأمر بطريقة معكوسة، فإن انتفت النتيجة انتفى سببها أيضا، وهو بالتأكيد غير ما يزعمه دعاة الإصلاح الفكري.
إن وجود عدد هائل من الناجين من حوادث السير يوميا رغم تجاوزهم السرعة القانونية، لا يعني بأن تجاوزها أمر غير خطر، ولا يؤدي إلى منطقية الوقوف في وجه الدعوات المنطلقة للتحذير من مغبة السرعة والكوارث الناتجة عنها. وكذلك وجود كثير من الأصحاء في المناطق الموبوءة لا يعني إهمال وجود فيروسات الوباء التي يموت بسببها البعض الأقل كل يوم.
أما الحجة الثانية، فتقوم أيضا على المغالطة السابقة يضاف إليها الاعتماد على حيلة "التشتيت" التي تحاول بنزع اعتراف المُحاور بوجود العوامل الخارجية أن تصرفه عن الموضوع الأصل وهو العامل الداخلي محل النقاش.
تنطلق هذه الحيلة خلال إيهام المجتمع بعجزه عن معالجة أكثر من موضوعين يتعلقان بقضية واحدة، وهذا بالضبط مشابه لإيهام أحدهم بعجزه عن مضغ العلكة والسير، على قدميه في طريق مستقيم في الوقت نفسه.
مناقشة العوامل الخارجية المتعلقة بالبيئة العراقية والسورية على سبيل المثال، لا تتعارض أو تتضاد مع مناقشة جاهزية شبابنا الفكرية بشكل قد يفوق سواهم في القفز إلى أتون الأحداث المتأججة هناك.
تلك الجاهزية التي لم تلح الإشارة إليها تزامنا مع نشوء "داعش" فقط، بل كان هناك ما يشير إليها منذ أحداث أفغانستان والبوسنة والشيشان، وانخراط العشرات من شبابنا في تنظيم القاعدة من قبل.
أما الحجة الثالثة، فشبيهة بسابقاتها من ناحية اعتمادها على المغالطة. فكون "داعش" تنظيم تبلور بعمل استخباراتي، فهذا قد يؤكد وجود التربة الفكرية الصالحة لعمله، وهو ما يدركه كل ذي مؤامرة له دراية بما يفعل. تلك التربة التي وفرها ما نحاول مكافحته من اعوجاج لا ينبغي تجاهله في أدبياتنا التنشيئية والوعظية.
فهؤلاء الشباب المغرر بهم ممن ينبرون إلى قتل أقاربهم، وتصوير أفعالهم بدم بارد، ترعرعوا بيننا لسنوات طويلة قبل أن يتلقفهم أي طرف استخباراتي، وهذا ما سيحتم فشله لولا وجود القابلية الفكرية والسيكولوجية للانخراط في خطته.
يتطلب أي اشتعال وجود الشرارة والأكسجين، كما يتطلب أيضا وجود الوقود اللازم لحدوثه، ونحن عندما نناقش وندعو إلى تنقية المناخ الفكري، فإننا نهدف إلى حجب أحد عناصر هذا الاشتعال وهو عنصر الوقود، المتمثل في الشباب الذين نفجع كل يوم بخبر انضمام أحدهم إلى هذه الدائرة الشيطانية الملعونة.