ولكي نتعرف على المارد العنصري الذي بداخلنا بجميع أشكاله الطائفية والقبلية والفئوية وحتى يمكننا إخراجه من القمقم، دعونا نسأل هذا السؤال البسيط: هل تقبل زواج أختك أو ابنتك من رجل من قبيلة أخرى أو طائفة مختلفة؟ هل تقبل بأن تقيم حفل زواجك في عرس جماعي يجمع الطوائف المختلفة؟ إذا كانت الإجابة بلا النافية فمعنى ذلك أنك طائفي حتى النخاع كونك تنفي كل سبل التعايش مع الآخر المختلف، وكل ما عليك فعله التوجه لأقرب مستشفى نفسي يمكنك من خلاله أن تخرج من حالتك المرضية ومن هذا التطرف والعصاب العنصري الذي يقبع بداخلك، وأما إن كانت الإجابة بنعم، فعليك إقناع من حولك بأهمية إيجاد برامج عملية تعزز قيم التعايش والتعددية مع كافة الأطياف المختلفة. في الأسبوع الماضي وتحديدا مساء الجمعة 26 فبراير 2016 وفي مبادرة بحرينية غير مسبوقة تكاد تكون الأولى من نوعها احتفت جمعية "الهملة الثقافية الخيرية الاجتماعية" بمهرجان الزواج الجماعي لـ50 زوجا وزوجة من أبناء البحرين من الطائفتين الكريمتين "السنية والشيعية" في جو اجتماعي بهيج شهد حضور مختلف أنواع الطيف البحريني، وشهد الحفل حضور شخصيات رسمية ووطنية، حيث يقول رئيس مجلس الإدارة جعفر أحمد مبارك لصحيفة الأيام البحرينية: "هذه المناسبة تعد مناسبة وطنية التقى فيها كل أطياف المجتمع وانصهروا في بوتقة العرس الجماعي الوطني في لوحة فسيفسائية متناغمة، معبراً عن بالغ الشكر والتقدير لكل من كانت له بصمة في إنجاح هذا الزفاف الوطني، كما وجه امتنانه إلى عموم شعب البحرين الكريم الذي لبى الدعوة ضاربا أروع الأمثلة في التلاحم الوطني".
السؤال: ما المانع لو ظهرت لدينا مبادرة من هذا النوع؟ ماذا لو طرح مشروع التزويج بين السني والشيعي وبين القبيلي وغيره؟
من الأهمية بمكان أن يستفاد من هذه المبادرة البحرينية الجديدة ومحاولة تطبيقها في المملكة لمختلف الأطياف، والأهم من ذلك أن تستفيد الجمعيات الخيرية من هذه التجربة الرائدة ليس فقط من أجل القضاء على الطائفية البغيضة بل وحتى القضاء على مشكلة التكافؤ في النسب كمظهر من مظاهر التمييز العنصري على أساس العرق والنسب، واعتبارها مخالفة لنصوص النظام الأساسي للحكم، وذلك ما نصت عليه المادة 26 التي تؤكد التزام الدولة بحماية حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية، والمادة 8 التي تؤكد على مبدأ العدل والمساواة بين المواطنين.
في نظري أن السبب الجوهري الذي أدى إلى بروز هذه التوترات وحالة التوجس والخوف بين مختلف الأطياف هو في الخيارات المستخدمة مع هذه الحقائق.. فخيارات التراشق وتبادل الاتهامات والشتائم، تفضي إلى توترات بين مجموع المكونات. أما خيارات الحوار والتسامح وصيانة حقوق الإنسان والتنمية، فإنها ترسم مسار علاقات إيجابية بين جميع الأطراف، وبناء استقرار اجتماعي عميق، لا تهدمه المتغيرات الراهنة. والاعتراف بحقيقة التعدد والتنوع وتوفير متطلبات حمايتها، هو الخطوة الأولى في مشروع إنهاء حالة الخوف الاجتماعي، فمطلب التجانس الوطني لا يتحقق بوجود دعاة التمييز والطائفية، وإنما من خلال ثقافة اجتماعية وعملية تحترم التعدد وتدافع عن حيثياته، ولنا في جمعية الهملة البحرينية خير مثال.. فلنتحرك لبناء وطننا.