الصدفة وحدها قادتني لمشاهدة انترفيو في شوارع الرياض مع شباب صغار، يسألهم مذيع إحدى القنوات الدينية أسئلة مثل "هل لو كانت الفتاة ترتدي عباية على الرأس تغازلها؟" الشباب في معظمهم يبدون مابين 18 - 20 عاما والمذيع رجل كبير حاول أن يؤثر على إجاباتهم وانساقوا معه، وللأسف كانت إجابتهم مفزعة جداً.
أكدوا ما قوله "لو كانت الفتاة محجبة بعباية على الراس فلن يقوموا بمغازلتها" فصرخ المذيع "الله أكبر".
بعد مشاهدة اللقاء خرجت بهذا بأن المذيع يقابل مجموعة من المتحرشين ليبرر للمجتمع جريمتهم عبر لوم الضحية.
في علم النفس وعلم الجريمة هناك مايسمى بـ Blaming the Victim وهو سلوك عنصري تمت ممارسته تجاه السود والنساء، وهو موجود في ثقافة الشعوب ويعبر عنه عادة في الغرب بـ Boys will be boys, so girls must take care، وفي الشرق بقول الأمهات لبناتهن "الرجال ذئاب" بمعنى "أنتن مجرد أغنام صغيرة".
لكن الإسلام لم يقل ذلك أبداً، فالقرآن في معرض حديثه عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم قال "فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (32) الأحزاب
لاشك أنه خطاب متطور جداً، ويتعامل مع المرأة برقي بالغ وإنسانية حقيقية، كأنما يقول لها "لو حدث منك ما قد تجره عليك أنوثتك من خضوع الصوت بحضرة الرجال فانتبهي، هناك رجال سيئون قلوبهم مريضة، ستعتبر ذلك رسالة مبطنة منك وأنت قد لا تقصدين ذلك مطلقاً".
بل إن صحيح البخاري أورد قصة الخثعمية الحسناء والتي أبهرت ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم بحسنها فلم يتمالك نفسه فأخذ ينظر إليها، فرد صلى الله عليه وسلم وجهه بعيدا ولم يقل لها "تغطي يا مرة" أبداً.
إن هذا الحديث يثبت وبلا مجال للشك كم كان صلى الله عليه وسلم راقيا مع النساء ولم يكن ليلوم أنثى على جمالها، فدفع وجه الفتى وتحدث معها بجدية كما يفعل الرجال العظماء، ثم ذهبت في سبيلها.
يؤسف حقاً أن لا تبتدئ مجتمعاتنا من هذه الآية وهذا الحديث، وتقفز إلى الخلف ليس حتى إلى عصر ما قبل الإسلام، والذي كان فيه الرجل عنترة يجد أنه من واجبه كرجل
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يـواري جارتـي مأواهـا
إني امرؤ سمح الخليقـة ماجـد
لا أتبع النفـس اللجـوج هواهـا
الرجولة ليست رد فعل، هكذا يخبر الناس عنترة بن شداد، بل هي التصرف نفسه، لا يهم ما ترتديه جارته أو كيف تبدو، المهم هو كيف يتعامل مع الأمر، وذلك ما فات المذيع صاحب المظهر المتدين وقناته، ليهلل ويكبر لشباب يعترفون بما يخالف الرجولة والدين والأخلاق.
إننا ولاشك في مأزق كبير إذا كان هؤلاء سيقودون الثقافة الدينية، لأنهم يخادعون المجتمع عبر قلب الحقائق وتقديم فئة غير جديرة باللقاء أو حتى النقاش، واعتبار كلماتها حقائق يجب أن نذعن لها لمجرد أنها تفيدهم في سياق معاداتهم للمرأة وتصرفاتها الأنثوية.
إن لديهم مواقف ضد المرأة، والأمر لا علاقة له بالدين مطلقاً فالدين كان ولازال يقف في صف المرأة والإنسان، خاصة في حقه في اختيار طبيعة علاقته مع الله وما يترتب عليها من اتباع أو مخالفة "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
من جانب آخر، ستجد في اللقاء نفسه استعدادا لتقبل خطيئة الفتيان، بل لا يوجد حديث حول جريمة التحرش، حتى أن أحد الشباب حاول تغيير دفة الحديث لاتهام الشباب بجريمة التحرش، وساق مثالا على تحرشهم بأم، فأعاده المذيع لمسألة "متبرجة تستحق التحرش".
في الحقيقة لم يتم تحديد معنى متبرجة في المقابلة، فأحد الفتيان أشار إلى الاحتشام وبدا معترضاً على حصره بعباية الرأس، فأعاد المذيع السؤال بربطه بعباية الرأس،
مما استجلب الضحك، خاصة عندما صرخ المذيع "الله أكبر" مما جعلني أتساءل هل كان هناك عباية رأس في عصر النبوة؟
التحرش جريمة معتبرة عالمياً وسعودياً، وشاهدنا كيف حكمت محكمة سعودية على متحرشين بالسجن، كما أن هناك دراسات نفسية تؤكد خطورة المتحرش وخطورة تعرض الفتيات للتحرش على ثقتهن بأنفسهن، وقدرتهن على إدارة دفة حياتهن بعد تجربة التحرش، إن هذا العمل ليس استعراض رجولة وخفة ظل كما يظنها البعض، المرأة تهان بشدة في حادثة التحرش، وهي من أهم أعضاء المجتمع، فهي الأم التي تربي المجتمع كله، فماذا تتوقع من كائن أهين في صميم ذاته أن يربي؟
إن هذا المذيع وهذه القناة الفضائية تقدم رسالة للمجتمع مفادها أطلقوا ذئابكم فلا ملامة عليهم وهذا ليس ديننا وليس مجتمعنا.