أعلنت الولايات المتحدة عن زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن إلى المنطقة، والتي تبدأ بالضفة الغربية، حيث يلتقي كلّا من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ثم يزور الأردن والإمارات العربية المتحدة، الموضوع الأساس في هذه الزيارة هو العمل على إعادة تحريك المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل حول الحل النهائي على أساس الدولتين.
إنّ هذه الزيارة لم تأت من العدم، بل جاءت نتيجة مقدمات عديدة وأساسية ظهرت في الأسابيع الماضية، تعيد التأكيد على أولوية القدس والقضية الفلسطينية لدى العرب والمسلمين على الرغم من الأزمات الكبرى التي تجتاح الوطن العربي من اليمن إلى ليبيا إلى سورية والعراق، ورغم كلّ ذلك بقيت قضية القدس هي المفتاح الأساس لأي استقرار في المنطقة، لأنّه لولا تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني لعقود طوال، لما اخترق الواقع العربي من دول الجوار.
تأتي زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى المنطقة بعد الوضوح التام في موقف فرنسا باعترافها بالدولة الفلسطينية من طرف واحد ما لم يتم التوصل إلى حل نهائي من خلال المفاوضات، وهي تعمل بالتعاون مع الرباعية الدولية والدول العربية على الدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام على أساس القرارات الدولية والمبادرة العربية للسلام في إطار حل الدولتين، وفي هذا المجال أصبح هناك الكثير من الآليات المقترحة قيد التداول مع الدول العربية، وهي تقوم على مرحلتين الأولى تحضيرية، وتتمثل في دعوة الدول المؤيدة لعملية السلام إلى اجتماع تمهيدي دولي إسلامي عربي، يضع الآليات والشروط قبل دعوة طرفي النزاع الفلسطيني والإسرائيلي إلى مائدة المفاوضات.
تأتي هذه التطورات مع تسارع للاتصالات والاجتماعات الإسلامية في جاكرتا لمنظمة التعاون الإسلامي حول نفس الموضوع، وأيضاً قبل انعقاد مجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة التي سيستضيف وزير الخارجية الفرنسي، الدولة الأساس في مشروع الدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، وبالتزامن مع تطورات الميادين السورية والليبية والعراقية، وخصوصاً مع قيام التحالف الدولي للحرب على داعش والدعوة إلى تشكيل قوة عربية إسلامية تكون قادرة على القيام في المهام الأساسية في المناطق التي تتعرض لسيطرة داعش من جهة، والاستهداف الميليشياوي من جهة أخرى مما يعيق الحرب على داعش وفي العراق بالذات.
لا شكّ أنّ الحديث عن عملية السلام في المنطقة أصبح ضرباً من ضروب الخيال لكثرة المحاولات والخيبات على مدى سبعة عقود من الزمان، وخصوصاً أنّ المؤتمر الدولي للسلام هو موضوع طرح منذ حرب 1973 ومع صدور القرار 338 الذي أكد على القرار 242 الذي تضمن الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 67 بالإضافة إلى احترام حدود جميع الدول، أي الاعتراف بحدود دولة إسرائيل على أساس ما عرف بخط الرابع من يونيو 67 وجاءت الإضافة بالقرار الجديد لعام 73 وهي الشروع فورا بمحادثات السلام، أي نهاية حروب الجيوش وبداية عملية التفاوض، فذهب المصري إلى ما عرف بالكلم 101 للتفاوض على فصل القوات برئاسة الجمصي، وذهب السوري إلى جنيف برئاسة حكمت الشهابي للغاية نفسها.
كانت الاتفاقات الثنائية دائما تقوض عملية المؤتمر الدولي للسلام، فبعد حرب 73 جاءت الدعوة إلى المؤتمر الدولي للسلام من قبل الرئيس الأميركي نيكسون من الحزب الجمهوري بعد انفتاحه على روسيا والصين، فكانت عملية ووترجيت التي أطاحت به وبعملية السلام، فكانت العملية الثنائية في كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ومع رئيس أميركي من الحزب الديمقراطي هو جيمي كارتر والتي أطاحت بالمؤتمر الدولي للسلام، ثم تكررت الدعوة بعد عاصفة الصحراء في الكويت مع الرئيس جورج بوش الأب، وهو أيضاً من الحزب الجمهوري والدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام في مدريد والذي بدأ أعماله فعلياً وعلى مستويين ثنائي ومتعدد إلى أن خسر الرئيس بوش الأب الانتخابات، فذهبت عملية مدريد أدراج الرياح وظهرت اتفاقية أوسلو الثنائية بين أبوعمار ورابين اللذين تصافحا في حديقة البيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي كلينتون وهو من الحزب الديمقراطي أيضاً، ثم جاءت اتفاقات وادي عربة بين الأردن وإسرائيل وبحضور كلينتون أيضاً، أي أن كلّ اتفاقات السلام في المنطقة كانت عبر الحزب الديمقراطي الأميركي، ولم تعط إسرائيل الحزب الجمهوري أي نجاح في عملية السلام.
تأتي زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن من الحزب الديمقراطي إلى الضفة الغربية بعد بدء العملية الانتخابية الرئاسية الأميركية وعشية المبادرة الفرنسية وعشية القمة الإسلامية الاستثنائية حول القدس في جاكرتا، وفي ظل النقمة العارمة في العالمين العربي والإسلامي على السياسة الأميركية في المنطقة تأتي هذه الزيارة لتؤكد مجدداً أنّ الاستقرار في المنطقة والعالم يبدأ من القدس الشريف أولاً.