في مواقع التواصل الاجتماعية يتم ترويج العديد من الوقوعات أو الحوادث التي تستدعي معها عوامل عديدة من حالة التصديق بهذه الحادثة، رغم أنها قد لا تمتلك شيئا من حقيقة وقوعها، لكن يتم تداولها بشكل تصديقي لا يقبل الشك عند كثير من الناس، فالتداول الاجتماعي يضع تلك الوقوعات في حالة من الوثوقية المعرفية، أو الدينية، أو السياسية، بحيث يسهل معها استغلال تلك المواقع التواصلية، أو غيرها، لاستخدامها في بروجباندا إعلامية مجانية، تصل بسهولة إلى عدد ضخم من المستقبلين الذي يتلقون هذه الأخبار، أو الحوادث، أو المواعظ الدينية وقصصها، أو الخطابات الثقافية بشيء من التسليم، دون إعمال حالة الشك في تناقضات الخطاب، أو تناقضات الفعل، أو القصص الوعظية أو غيرها.
الاستقبال الساذج لما يتم تداوله من تلك الأمور لها ما يبررها من حالة التسليم بها عند كثيرين، لكونها تأتي عادة في مصادر غائبة عن النقد الفكري، أو ممنوعة من النقد، أو أنها وُضِعت في إطار التحريم الديني، أو التحريم السياسي، أو ربما التحريم الثقافي أيضا، بحيث تم رفع عدد من السياسيين، ورجال الدين، والمثقفين إلى مرتبة رمزية، بحيث يصعب نقدهم، الأمر الذي يفضي -لاحقا- إلى صعوبة نقد خطاباتهم، وهذا ما يمهد الأرضية الخصبة لمحاولات الهيمنة على المجتمع، بأدوات ذات صِدقيّة اجتماعية، أو صِدقيّة دينية أو سياسية أو غيرها.
سأعطي أمثلة على ذلك. قبل أيام تم تداول مقطع فيديو لأحد الدعاة يتحدث عن صلاة أحدهم بالجن من خلفه في المسجد، وسماعه تأمينهم، وموعظته لهم، وسماعه أصواتهم دون أن يراهم يدعون له واحدا واحدا عند خروجهم من المسجد: (جزاك الله خيرا.. جزاك الله خيرا)، وهذا المقطع -بغض النظر عن النكتة التي تم تداولها من خلاله- يحمل مضمونا دينيا في تصديق مثل هذا الحدث عند كثير من الناس، وجرب أن تجادل في مثل هذه الواقعة لتجد حالة تصديق ساذجة عند من تجادلهم.
المثال الثاني هو حالة تصديق الخطاب السياسي للحالة التركية والحالة المصرية من تقديم خطاب سياسي يعتمد على الإسلامية في حالة تركيا، رغم علمانيتها، والوطني في الحالة المصرية، رغم أنها عسكرية خالصة، وفي الحالتين يتم استقبال الخطابين بشيء من التصديق، حتى من خارج تركيا ومصر، بوصفهما نموذجين للدولة الإسلامية بالنسبة لتركيا، والدولة الوطنية لمصر، وفي كلا الحالتين يضخ السياسي بروجباندا إعلامية تصنع نوعا من التغييب الشكي تجاههما، وتجاه خطابهما.
المثال الثالث في الجانب الثقافي الذي يعمل على تسذيج بعض المثقفين فيحملون رؤية ثقافية وثوقية تجاه خطاب الرموز الثقافية كرموز الحداثة -نقديا وشعريا- مثلا، بحيث يتم استقبال خطابهم بوصفه الخطاب الأكثر حداثية، أو حتى ما بعد حداثية، وبأنهم المثقفون الأبرز، حتى أنه يتم رفض نقدهم من قبل عدد من المثقفين بوصفه الرموز الثقافية الأبرز، وهذه حالة ثقافية ساذجة في رأيي لا تبتعد عن الحالات السابقة.
في الحالة الأولى تظهر المسألة بصعوبة نقد الظواهر فوق الطبيعية، لكون هذه الظواهر غيبية، وحالة التسليم الديني لمسائل الغيبية، أو التي يُتصوَّر بأنها غيبية، تجعل السذاجة الفكرية ظاهرة، خاصة إذا ما تم ربط بعض تلك الظواهر بالمقدس الديني، وهنا يتضاعف التسليم الساذج لمثل هذه الظواهر، وهي ظواهر ربما تعود إلى حالة الجنون وليس لتعقل الفكري، وإذا كان ميشيل فوكو نقد العقل الغربي في كتابه: (تاريخ الجنون) بأنه عقل امتثالي يرفض العقل المختلف كالجنون، فلأن العقل الغربي تحول إلى عقل سلطوي، ونقد السلطة هي مجال اشتغال فوكو الفكري، في حين أن العقل الميتافيزيقي العربي هو عقل سلطوي كذلك، ونقد ما بعد الحداثة لا يعود بالأمور إلى ما قبل الحداثية، كما يتصور بعض المثقفين، بل يتجاوزها، والحالة العربية ما زالت عقلا ما قبل حداثي يؤمن بشكل ساذج بتلك الظواهر غير الطبيعية، الأمر الذي يقود إلى الهيمنة السلطوية على عقول كثيرين، وكذلك الحال في الخطاب السياسي الإسلامي، أو الخطاب السياسي الوطني الذي يرفع حالة فكرية امتثالية للإسلامية وللوطنية لقمع الفرد الذي يسلم بهذا الخطاب، وهو الأمر ذاته عند الخطاب الثقافي الذي يرفع الحداثة ليرفض نقدها، أو نقد رموزها كنوع من الهيمنة الثقافية على الساحة الفكرية.
السذاجة الفكرية حالة تسليمية في مقابل العقل الشكي، إذ عمل الديني والسياسي والثقافي على نمذجة المجتمعات، لسهولة السيطرة عليها من خلال وضعها في إطار تسذيجها بأدوات تسليمية ترفض تماما النقد من خلال برمجة المجتمع، فالفكر التسليمي فكر انقيادي بالعادة، ويكون أكثر تسليما حينما يتم ربط الأمور، أو القضايا، أو الحداثة بالمتعالي الديني، أو المتعالي السياسي، أو المتعالي الثقافي، لذلك دائما ما صُنِعت هالة ضخمة ومهولة على الرموز السياسية والدينية وحتى الثقافية من أجل تعمية مجال الرؤية الواضحة للأمور، لكي يصعب اختراقها فكريا، الأمر الذي يسهل الطرق إلى نوع من الهيمنة على المجتمع بكل فصائله.