كان التاريخ الإسلامي منذ بداية تشكله حافلاً بالكثير من الآراء الفقهية، حتى كادت المدونات الفقهية تصبح هي الفعل الثقافي الأبرز في الحضارة الإسلامية حتى إن محمد عابد الجابري كان يعتبر الحضارة الإسلامية حضارة فقه. وهذا، إذا ما نظرنا له من الزاوية الدينية صحيح إلى حد ما باعتبار الموازنة بين النص ومتغيرات الحياة وتطورات التاريخ حتى أصبح الفقه مقعدا وفق رؤى منطقية استفادت من قواعد المنطق في مرحلة من مراحل التأليف الديني باعتباره القانون المنظم لحياة الناس.
بعد اكتمال الدين الإسلامي مع الآية القرآنية القائلة: "اليوم أكملت لكم دينكم..." صارت الفتوى هي الشكل الديني الذي يحاول إرجاع الواقع للنص أو الموازنة بينهما أو تغليب أحدهما على أحد، أي أصبحت هي العامل الوسيط بين تعالي النص وتاريخية الواقع، والمصلحة الدينية أو الدنيوية هي المحرك الذي يسوق إلى التعامل مع النص أو الواقع بنوع من التجاوز حسب المقاصد الشرعية الكبرى، والمتمثلة بصلاح الحياة عموماً، وتنظيمها دينياً ودنيوياً.
والفتوى تتحول مع الزمن وتتغير من وقت إلى وقت ومن مكان إلى مكان، مما ينفي عنها صفة الثبوت وذلك راجع إلى المتغيرات التي ذكرتها. كما تتأثر الفتوى بالعوامل الخارجية والداخلية لها، فما ينطبق على عصر قد لا ينطبق على عصر آخر، وما ينطبق على مكان قد لا ينطبق على مكان مغاير، كما أن الظروف المتغيرة في الواقعة الواحدة تعيد الرؤية في ذات الفتوى وتحملها من طريقة إلى طريقة أرحب أو أضيق، كما تعمل الرؤية التي يمتلكها صاحب الفتوى ومدى قيمته العلمية أو العملية سواء رسمية أو اجتماعية عملها في تحويل الفتوى من صيغة إلى صيغة، بل ربما تعمل المؤثرات النفسية عملها في الفتوى فقد يفتي مفت في حالة من الغضب غير الفتوى التي يفتيها في حالة الرضا، لكن يبقى عامل المصلحة هو المؤثر الأكبر في تغير الفتوى، أو على الأقل هذا ما هو مفترض.
المجتمع نفسه قد يؤثر في الفتوى وسياقات الحديث عنها، فالفتوى في المجتمعات المحافظة والتي أخذت قيمتها الفعلية من هذه المحافظة فإن الغالب على الفتاوى فيها تلك الصادرة من المؤسسات الدينية أنها تبقى في ذات السياق الذي يدور فيه ذلك المجتمع في حين يختلف ذلك مع مرور الوقت، كما يختلف من مجتمع ضرب عمقاً أكثر في السياق الحداثي لمجتمعه.
أيضا فإن موازين القوى تؤثر في الفتوى ما بين التشدد أو الانفتاح حسب الكتل الاجتماعية الأكثر سيطرة على سياق المجتمع، فالمجتمعات التي استطاع الخطاب الديني المتشدد السيطرة عليها بدأت تتغير لديها الفتوى حسب الوضع الجديد فأصبحت تثار قضايا ليست هي تلك القضايا التي كانت بالأمس، كما أن المجتمع الذي يغلب عليه طابع الانفتاح أو أن قيم المواطنة تفوق لديه قيم الأممية الإسلامية، فإن سياق الفتوى فيه يصبح متسقا اتساقاً تاماً مع ذلك الوضع المجتمعي، ولا تثيره القضايا التي تثير غيره من المجتمعات الأخرى إذ تبقى الاهتمامات مختلفة حسب تطور المجتمعات، فالمجتمعات التي تثيرها قضية عمل المرأة مثلاً ليست هي المجتمعات التي تثيرها قضية الحريات المدنية أو حقوق الإنسان. القضايا الدينية والمدنية التي تستلزم الفتوى في تونس تختلف عن القضايا الدينية والمدنية التي تستلزمها الفتوى في مصر، وفي مثال أقرب؛ تختلف قضايا البحرين الدينية والمدنية عن قضايا السعودية رغم التقارب الاجتماعي والديني والسياسي والجغرافي بين البلدين.
وعلى مدار التاريخ الإسلامي كانت الفتوى تتراوح بين القبول والرفض في داخل المجتمع الذي خرجت منه، والمدونات الفقهية كانت زاخرة بالكثير من الفتاوى التي ربما شكلت مدارس فقهية عديدة اقتصرت في آخر المطاف على أربعة مذاهب فقهية بالنسبة للسنةـ ولكن تجد أن الواقع التاريخي كان متفاوتاً في قبول بعض الفتوى أو تجاوزها حتى وإن جاءت بالتحريم. مثلا كان الغناء محرماً في الفقه تاريخياً وحتى الآن عند أكثر المذاهب، لكن ما يزال الناس إلى هذا الوقت يستمعون إلى الغناء وبكل ما يملكون من جوارح مع العلم الكامل بهذا التحريم. وفي الواقع المعاصر تم تحريم الأطباق الفضائية (الدشوش)، ومع ذلك نجد أن كل الناس تقريباً على سطوح بيوتهم العديد من الصحون اللاقطة للبث الفضائي مع العلم بسريان الفتوى حتى هذه اللحظة.
من جهة أخرى ارتحلت بعض الفتاوى لكي تغير الواقع الفعلي للناس، وذلك حسب من يقتنع بتلك الفتاوى، وبحسب من يتبنى قضية الحسبة فيها، ومثال ذلك السينما، حيث كانت موجودة في الواقع السعودي لكن لم يعد لها وجود الآن.
تتحول بعض الفتاوى إلى تنظيم إداري كما هو الحال في بعض القضايا التي تصل المحاكم حيث يتم الفصل فيها وفق حكم قضائي يستند على فتوى تاريخية كانت أو حديثة، وهنا تلعب السلطة الدينية أو الإدارية الدور الأكبر في تحويل الفتوى من إطارها الفردي غير الملزم إلى الإطار العام الملزم وفق القرار الإداري الذي هو في الأصل سمة الدولة المدنية الحديثة.
قبل أن تتحول الفتوى إلى قرار إداري هي في الأصل أقرب إلى الرأي الفقهي حيث إنه رأي لا يلزم أحدا بتطبيقه، ويبقى الفرد هو المسؤول الأول والأخير في تطبيقه على ذاته أو عدم تطبيقه .
إن الضجة التي تحدثها بعض الفتاوى في الوسط الديني أو الاجتماعي أو الإعلامي لم يكن أكثرها إلا فتاوى لا تتعدى كونها فتاوى تدور في الإطار الفردي دون الإلزامي، ومن هنا فإن خطورة بعض الفتاوى ليس لكون صدورها من أي شخصية كانت بقدر أن خطورتها هي في تحويلها من إطارها الفردي غير الملزم، حتى لو كانت قضية رأي عام، إلى إطار رسمي إلزامي، وهو أمر قل وجوده في الكثير من القضايا التي خرجت هنا أو هناك.