أحدهم التحق بالتعليم العام وواصل دراسته الأكاديمية العليا قبل عقود، ونتج عن هذا إصرار عجيب على والده أن يمنع أخته المتفوقة من الالتحاق بكلية الطب، ولا يرى أمامها سوى أن تصبح معلمة في مدرسة مجاورة لمنزلهم، والده وتحت ضغط الابن ومحفوظاته التي يسميها ثوابت وقطعيات غير ظنية، أقنعها بأن تتنازل عن طموحها في كلية الطب.

يتزوج هذا الأخ وينجب ابنته البكر، وتكر الأعوام، لتصبح لا طبيبة من جامعة سعودية، بل مبتعثة لإحدى الجامعات الأميركية وترجع متفوقة بشهادة عليا في تخصصها، وبالطبع نسي نفس الشخص، كل ثوابته التي قاوم بها التحاق أخته قبل عقدين من الزمن بكلية الطب.

نعود للمثقف وامتلاك الشرط الأول: الوعي والإدراك، وفي هذه الحالة التي طرحناها (هي حالة ربما واقعية قمت بتغيير تفاصيلها لتصبح حالة عامة وليست خاصة بأحد)، أقول في هذه الحالة نرى أن كامل الحمولة المعرفية لكتبه الأكاديمية ومحفوظاته الوعظية لم تستطع أن تتجاوز بهذا المثال القنطرة التي تؤهله ليتجاوز العتبة الأولى في (الوعي والإدراك)، فلو استوعب عقله ولو جزءًا بسيطاً مما تعلمه لأمكنه مثلاً أن يتعاطى مع المتغيرات الاجتماعية بصدر أكثر رحابة من قطعياته العمياء التي توهمها في زمن وتخلى عنها في زمن آخر، وهنا نصل إلى نتيجة مفادها أنه كان يعيش (العمى الأيديولوجي) على مستوى التفكير و(الوعي المزيف) على مستوى الحجج والبراهين التي كان يسوقها قبل عشرين عاما، وأن كل العلوم التي تلقاها لم تمس مناطق الوعي والإدراك لتستنبت الوعي المثقف/ الناقد، طبعاً لأن الوعي والإدراك مسألتان ذاتا طابع تجريبي نقدي لا علاقة لهما بمحفوظاته الكثيرة، ولهذا فربما والده الكهل صاحب التجربة الإنسانية الأعمق كان سعيداً برغبة ابنته في مواصلة تعليمها لولا اعتراض ابنه (الأكاديمي) على هذا الطموح.

أي أن الوعي والإدراك شرطهما شرط تجريبي وليس شرطا تلقينيا، والتعليم في الوطن العربي عموماً يكاد أن يكون تلقينيا بطريركياً/ أبوياً خصوصاً في النشأة الأولى، فإذا بقي الطالب على محفوظاته التلقينية ذات النكهة الأبوية، دون تطعيمها بقراءات (حرة) ذات طابع تجريبي في علوم الاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والتاريخ وعموم الدراسات الإنسانية والعلمية، فإنه يعيش في دائرة مغلقة لا تتغير إلا بتغير الواقع حولها، أي أنها تعيش حالة ممانعة أولية ثم رضوخ وتكيف مع تغير الواقع ولا تستطيع استشرافه، فمثلاً ظاهرة المعارضة المضحكة لتغيير إجازة أيام الأسبوع من الخميس والجمعة إلى الجمعة والسبت تؤكد (العمى الأيديولوجي) لدى الكثير، الذين يعيشون حالة القلق التي تصاحب كل من لا يملك آلية الوعي والإدراك في استشراف وقراءة (الما بعد) لأنه بكامل حمولته العقلية يعيش في (الما قبل) وما يحويه من (العمى الأيديولوجي، الوعي المزيف).

 ما يؤلم أن كثيراً ممن تلتقيهم قد يسمعك تفاصيل الفلسفات وحراك الحضارات وقد يكون عائداً من دراسة القانون في جامعة غربية، ولكن كل هذا لم يشفع له ليحمل وعياً يغير أحاسيسه القديمة القائمة على التلقين، فكأنما أمضى سنوات البعثة في صحراء النفود، فلم يتغير فيه سوى رطانته بلغة جديدة، يطعم بها ثنايا كلامه، مستعيداً بها وعبرها كامل محفوظه القديم بأساليب جديدة، وكل ذلك عائد إلى فترات طويلة من تعرضه لما يسمى (التعقيم الفكري) والتعقيم بمعنى تطهير العقل من بذور الدهشة والسؤال، والتي تؤدي إلى عقم فكري، والذي مورس على ذهنه قبل البعثة ليعيش حالة من الترافع الداخلي الرافض للحس النقدي الذي ينقله من ثقافة الإجابة المغلقة إلى ثقافة السؤال المفتوح، وهذا يعتبر جرحا نرجسيا لم يستطع مداواته بمزيد من التعرض لشمس المعارف الجديدة، بدلاً من ترسبات الجير الفكري على عقله الذي حوله إلى بيضة مغطاة بالكلس يختبئ داخلها ويخشى أن يخرج منها ليستنشق هواء العالم، وكم من صقر حر مات داخل البيضة، إما لسوء المناخ أو عجز الوالدين، أو مكر الثعالب عشاق الصفوف الطويلة من الأتباع يسيرون بين الناس يعقمون عقول الناشئة ضد الدهشة والسؤال والتفكير المستقل ليصبحوا أحراراً نجباء.