ليس أمام العربي اليوم وهو يعيش وسط هذه المعمعة من الفوضى إلا أن يقبل أن يكون انعكاسا لواقع إعلامه المنفصم على ذاته، أو ربما هو الإعلام الذي ليس له مفر من أن يكون انسجاما مع حالة العبث التي تشهدها أراضي بني يعرب، فالرقص اليوم لم يعد فقط في الأعراس أو في المهرجانات، بل أصبح أكثر على جثث القتلى المصلوبين في احتفاليات مجرمين يحكمون أراضي قريبة ومراعي بعيدة.
تبدأ في تصفح مواقع الإنترنت فتجد خبرا عن انتشار مرض الجرب في إحدى المدارس في القرن الواحد والعشرين! ثم خبرا يشرح مقطعا مصورا لمدرس وثق بكاء تلاميذه بعد سماعهم أن مدرسهم المصور سيفارقهم لبضعة أسابيع، فخبرا عن إنتاج حلقات جديدة لمسلسل "واي فاي"، وأخيرا تظهر صور وأخبار لملفات وأحداث مهمة في المنطقة.
على شاشات التلفزة عالم آخر من هذا البحر الثائر بتناقضاته، ولا أقصد بالضرورة هنا تنوع القنوات والاتجاهات، بل التنوع والتناقض ضمن القناة الواحدة، أو لنقل الشبكة الواحدة، ففي حين تنقل لنا الأخبار حال التشرذم والتوهان والانكسار والجبروت الواقع على المستوى السياسي والعسكري العربي نجد مشهدا مغايرا للعالم العربي، يتمثل في حالة الاستهلاكية الطاغية في إعلاناتنا التجارية ومسلسلاتنا الاجتماعية وبرامج الترفيه الغارقة في السطحية والمتاجرة بكل شيء، حتى بالعرب ذاتهم، فقد أنتجوا برنامجا أسموه "اسأل العرب"، ولا أعلم أي عرب هؤلاء الذين يسألون، هل هم عرب سورية أو عرب العراق أو عرب الأحواز.. أي عرب تسألون عنهم أيها العرب؟
بإمكان العربي اليوم أن يخلق لنفسه عالما لذاته فقط من خلال مشاهدته ومتابعته لوسائل الإعلام، طبعا أتحدث عن العربي الذي لا يعيش تحت وطأة إرهاب الدواعش أو قنابل الطائفيين ومجرمي الأنظمة السياسية، فهذا ما عليه سوى أن ينعزل في غرفة، ويحدد القناة التي تناسب مزاجه وذوقه، ويهيم بنفسه في عالم خيالي يلبي حاجته ويتناقض مع الواقع المرير الذي قرر الهرب منه.
في المقابل بإمكان هذا الإعلام أن يكون المحفز الأول لعقل الإنسان في تجييشه وتحويله إلى قنبلة موقوتة تستخدم لمصلحة أي من الأطراف، فتسميه "إرهابيا" في حين قد تسميه "ثائرا" في حين آخر، فالمهم هنا أن يستخدم لتحقيق مصالح لا يلعب فيه الفرد ذاته إلا دور حجر على طاولة شطرنج.