يرى أحد الباحثين في علم الإدارة أن طول بقاء القيادات الإدارية في مناصبها من أسباب الفساد، وهو ما يعرف بـ"ترهل الطبقات الإدارية في مقاعدها"، وهو بقاؤهم لفترة طويلة على رأس كثير من الإدارات في الجهات الحكومية، الأمر الذي يؤدي إلى نمو شبكة المصالح الخاصة، إضافة إلى"غياب المثل وفساد الضمائر واعتبار المنصب الإداري لخدمة المصالح الشخصية لا لخدمة المجتمع".
مثل هذه القيادات الإدارية المترهلة لا تنجذب إليها أفئدة الموظفين، ويرونها عبئاً كبيراً يجب التخلص منها في أقرب وقت ممكن وبأية وسيلة قبل أن يعم فسادها فتصعب مقاومتها، فالرئيس الإداري الجاثم على منصبه يعاني حب الذات وينظر إلى مصلحته أولاً وقبل كل شيء أكثر من حب خدمة المجتمع والوطن، فيتجه إلى إدارة الأنشطة التي تعود عليه بالفائدة والتركيز عليها أكثر من الأنشطة الأخرى التي تفيد الجهة الحكومية والمجتمع، طالما ليس بها عائد يعود عليه بالمنفعة فيغلب أنشطة السفر والرحلات والترفيه على أنشطة العمل والإصلاحات والتطوير.
كما تجد مثل هذا الرئيس يتجه إلى عقد اتفاقيات مع الغير، سواء أشخاص أو شركات، يخرج منها بفوائد شخصية على حساب المصلحة العامة للجهة الحكومية، بالرغم من وجود مصادر ومشاريع أخرى أكثر فائدة للجهة وأقل تكلفة، كما يلجأ أيضاً إلى المظاهر والاحتفالات وإقامة الندوات والمؤتمرات التي تزيد من ذاته على حساب أشياء أهم منها، ففيها كثرة الترحيب والاستقبالات وصرف أموال طائلة عليها طالما تزيد من ذاته، ناهيك عن تمرير بعض القرارات عن طريق هذه الندوات التي تخدم مصالحه الشخصية فتزيد الاتفاقيات والمشاريع.
وليس هذا وحسب، يميل الرئيس الإداري القديم إلى ادعاء المعرفة والعلم ببواطن الأمور، وبالتالي الإصرار على رأيه وعدم سماع آراء الآخرين، معتبراً أخذ رأيهم يمثل ضعفاً في قدراته ومهاراته وخبراته، الأمر الذي يؤدي إلى قتل الأفكار الجديدة وكبت الموظفين المبدعين، إضافة إلى انتشار الإشاعات وتدهور مستوى الأعمال وضعف إنتاجية الموظفين وتفضيل مصالح فئة معينة مقربة للرئيس على مصالح الجهة الحكومية.
قد يتساءل القارئ الكريم ويقول: "إذا كان هذا هو حال بعض الرؤساء الإداريين في الجهات الحكومية، فإن النتيجة الحتمية ستكون الفوضى والعشوائية في العمل وانتشار الفساد الإداري والمالي وسوء الخدمات المقدمة إلى المواطنين.. فلماذا لا تتحرك "نزاهة" في سبيل مكافحة هذا الفساد وفضح أمثال هؤلاء؟ هذا من جانب. ومن جانب آخر، هناك العديد من القيادات الإدارية الشابة والدماء الجديدة التي تم ضخها في الجهات الحكومية وهي كفيلة بالقضاء على هذا الترهل الإداري!".
الحقيقة المرة أن أمثال الرئيس القديم يحيطون أنفسهم بسياج نظامي وقانوني يصعب اختراقه وكشف ممارستهم المشبوهة، وبالتالي محاسبتهم أو مساءلتهم، فهم في الغالب يتظاهرون بتفويض صلاحياتهم إلى المديرين شكلياً هرباً من المسؤولية، أو عن طريق تشكيل اللجان الإدارية وتمرير القرارات الإدارية من خلال أعضاء هذه اللجان، أو عن طريق إصدار الأوامر شفهياً وما على الموظفين إلا السمع والطاعة وعدم النقاش حتى لا يكون هناك مستند رسمي ضد هؤلاء الرؤساء، ويسلكون في سبيل ذلك الضغط على الموظفين من خلال الترقيات وتقارير تقويم الأداء الوظيفي، ويلجؤون أيضاً إلى قمع أي موظف يحاول كشف فسادهم أو يعترض على قراراتهم المشبوهة.
وبالنسبة لكيفية التغطية على الفشل في تحقيق أهداف الجهة أو التغطية على الخدمات السيئة المقدمة إلى المواطنين، فيعمدون إلى تضخيم منجزاتهم من خلال التلاعب بالإحصاءات والأرقام الواردة في التقارير السنوية إلى الجهة، أو عن طريق التصريحات الإعلامية والكلام الإنشائي المعسول الذي يدغدغ عواطف الناس وأحلامهم واحتياجاتهم ومشكلاتهم، أو عن طريق تضخيم المشاريع الوهمية أو الفاشلة وربطها بالتطورات الحديثة أو من خلال التباهي بفتح فروع جديدة للجهة أو إنشاء مبان حديثة أو من خلال وضع خطط إستراتيجية شكلية وقرارات مثالية لا تطبق على أرض الواقع، وفي أسوأ الأحوال تتم التغطية على الفشل من خلال إلقاء اللوم والمسؤولية على الموظفين الكسالى والمتسيبين!.
أما بالنسبة لوجود القيادات الإدارية الشابة في بعض الجهات الحكومية، فهؤلاء لا يطلعون على شئون الوزارة أو الجهة الحكومية إلا من خلال نافذة واحدة هي نافذة الوكيل أو النائب أو المساعد، وهؤلاء في الغالب من القيادات الإدارية المترهلة الذين قد يعمدون إلى حجب الآراء والاقتراحات وتقديم تقارير مضللة إلى تلك القيادات الشابة أو السعي إلى إفشال خططها ومقاومة أية إصلاحات تتعارض مع المصالح الشخصية لهذه الفئة.
وبالرغم من أن أعداد هؤلاء الرؤساء المترهلين في تناقص مستمر إلا أن الدلائل تشير إلى وجود نسبة كبيرة منهم تمارس سلطاتها الرئاسية وهي متربعة على قمة الهرم الإداري التنظيمي، وتظن أنها تمسك بكل الخيوط التي تحرك من خلالها الموظفين والموارد داخل جهاتهم، حتى إن بعض الجهات الحكومية تحولت إلى منازل أو مزارع خاصة لهم إلى درجة التحكم في مصائر الناس والموظفين في الوقت الذي تؤكد النظريات الإدارية الحديثة أن مثل هؤلاء يعيشون خارج عصرهم وزمانهم ويسيرون عكس التيار، فمنظمات العصر الحديث أعقد وأصعب من أن يستوعبها عقل واحد أو أن تدار بقرارات صادرة عن رجل واحد، ولأمثال هؤلاء أقول"تقاعدوا وارحموا أنفسكم وأريحوا الناس منكم"!.