لماذا علينا نحن كمواطنين أن نتنبه لوجود مشكلة لا يمكن السكوت عنها، مشكلة حقيقية ومعاناة بائسة شديدة التطرف؟ لماذا يجب أن ننتظر أحد الأبطال، كي يخرج من تحت باطن الأرض، ويخبرنا عما لا يمكننا أن نراه من سوء خدمات، ويقوم على تصوير الحدث المقيت، ويبثه عبر مختلف شبكات التواصل الاجتماعي؟ لماذا يكون المواطن وحده المتكفل برفع أخطاء الوزراء ومن يعمل تحت إداراتهم؟ وينبه العامة إلى قلة وعي بعض المسؤولين وعدم صبر أجهزتهم على فهم مسؤولياتهم أمام الجمهور؟ يُعفى وزير من منصبه بسبب مقطع فيديو من مواطن، ويعتذر مواطن أمام الملأ لوافد بسبب تصرف أحمق قام به، ولأجل أن يغير الصورة الذهنية لدى المتلقي، فيقوم بنشر صورة المصالحة وتوثيقها أمام الرأي العام، حتى لا تتم إدانته أكثر من ذلك.
لماذا يضع الوزير أو نوابه أنفسهم في مواقف حرجة لا يمكن أن يسكت عنها الكثير من المواطنين؟ وما يقوم به المواطن حينما يعرض حياته للخطر، بالتحدث للعامة عن الأخطاء التي لا يمكن إغفالها، وتوجيه أنظار المسؤولين إلى أخلاقيات العمل التي لم تطبق، وأن هناك قصورا حادا في التعامل مع العميل أو المنتفع، لذا، يتوجب على المسؤولين، ليس الالتزام فقط بإيجاد مبرر يقنع المواطنين، بسبب الخلل الفاضح في إداراتهم، وإنما بصناعة حلول مستديمة واقعية ونابعة من عقل راجح، وليست حلولا عاطفية كما فعل وزير التعليم العيسى، حينما أعفى مدير مدرسة أحد المسارحة لتحفيظ القرآن جنوب جازان، وأعفي معه الوكيل والمرشد الطلابي، مطبقا ما يعرف بأن "ظلم الجماعة عدل"!
ونحن كمواطنين لا نود أن نكون العين الساهرة دوما، فلدينا مهام كثيرة ومتعددة، وليس من اختصاصنا أن نلعب دور المسؤول الخفي، ولكن هذا ما حدث بعد أن قامت إحدى المواطنات بتسجيل لقطات فيديو تم نشرها، وهي تتحدث عن المهزلة التي شاهدتها بأم عينيها في مستشفى النور بمكة المكرمة، ويمكن للجميع مشاهدة كافة التفاصيل من خلال "اليوتيوب"، ولا يمكن أن نكّذب أي حرف مما قالته المواطنة الغيورة على وطنها، ولكنك حتما ستبكي قهرا وأسى ورأسك يمتلئ بطرح وجمع الحسابات الفلكية التي ترصدها الدولة كل عام لوزارة الصحة، لتتساءل: أين ذهبت هذه الميزانية وفيم صرفت؟
ثمة ثقب خفي في كل منطقة من مناطق السعودية، هذا الثقب لا يراه أي من المواطنين، ولو رآه فلن يتركه، بل سيأخذ ما بداخله حتى يستنفع بكنوز علي بابا، وهذا الثقب هو من يشفط ميزانيات المشاريع التي ترصدها الدولة كل عام، ولا نرى سوى مبان وقصص وحكايات وكلام على ورق، وفي كل عام تتجدد العهود والوعود، والمواطن صابر ومحتسب الأجر عند الله، رغم كل ما تفعله الشوارع "المكركبة" بنا، وتلك التي لم تسفلت بشكل جيد، والنتائج مذهلة.. إضاعة لأوقاتنا بسبب الحفريات والتحويلات، وإضاعة لأموالنا في إصلاح سياراتنا، بسبب ما تعانيه من الشوارع التي لم تكن جاهزة بما يكفي، فحتى الأسفلت تشعر بأنه مغشوش، وبأنه سيأتي اليوم الذي نذهب فيه إلى أعمالنا ونحن نرفع سياراتنا خوفا عليها من سوء الأسفلت الذي يبدو أنه غير صالح للجماد أو حتى لغير الناطقين..!
نعود إلى المواطنة في الفيديو الذي وثقته عبر اليوتيوب، والمعاناة التي واجهتها في مستشفى النور في مكة المكرمة، فقد نقلت الأخطاء التي قام بها الموظفون، ابتداء من قسم المراجعة والاستقبال، وانتهاء بإهمال الأطباء، حيث يظل المريض في انتظار شفقة أو رحمة من أحد العاملين في الجهاز الطبي، فقط لكي يقيس ضغط المريض ويدون حرارته في ملفه الصحي، بدلا من قطع أوراق مستخدمة، تشعرك بأنك لا تزال في بدايات نهضة العالم الثالث، حينما كان الحصول على طحين أهم من أن تتنفس من أنفك، فما بالك بمستشفى يقع في مدينة يأتيها الناس من كل فج عميق، منذ متى يتسول المرضى حقوقهم في العلاج؟! ومنذ متى علينا أن نفتح أعيننا في كل مكان نقوم بزيارته؟ ونجعل أجهزتنا تعمل على مدار الساعة، كي تلتقط كل ما يمكنه أن يسيء إلى المنشأة وإلى العاملين فيها وحتى للمواطنين المنتفعين منها؟ وبالذات في المجال الصحي، حيث يضطر المحتاجون رغما عنهم إلى فتح ملفاتهم في المستشفيات الخاصة ودفع "تحويشة" عمرهم، كي يشعروا بكثير من الرضا والآمان والاحترام أيضا.
وبعد نشر مقاطع المواطنة المجروحة والمصابة بالصدمة اللاحضارية، كما وجدتها في المستشفى، كنت أشعر بأن ثمة صوتا يتردد بداخلي، لا يمكن أن يكون هذا المستشفى في هذه المدينة التي يفترض ألا تعاني مشكلات في خدماتها الصحية، بل إن عليها أن تتصدر المراتب الأولى في توفيرها كل ما يحتاج إليه المواطن والوافد والزائر لها، كما يفترض أن تكون هناك مستوصفات وعيادات عالية الجودة، ولديها كامل الاستعداد وعلى مدار الساعة لاستقبال أي من الحالات الطارئة، ولكن بعد الفضائح التي نشرت فيما يتعلق بمستشفى النور، لا يمكن إلا أن نضع وزير الصحة في الصورة، كي يتأكد من صحة كل ما بث في الفيديو، إضافة إلى ما غرد به المتابعون في "تويتر" عن سوء خدمات المستشفى، وإهمال الجهاز الطبي في رعاية المرضى.
ومنا إلى المهندس خالد الفالح، وزير الصحة، هل سيكون هناك رد بعيدا عن تخدير المواطنين بإعفاء أو نقل تأديبي للعاملين، والوصول بفكر مهني إلى حلول ثابتة، يشعر بها المواطن أنه أمام طاقم طبي لديه الاستعداد للعمل بإخلاص، دون خوف من كاميرا ترصد مخالفاته؟!