تعد "القوة الناعمة" وسيلة رئيسة من وسائل نجاح السياسة الخارجية للدول الكبرى والصغرى على حد سواء، وتعرف بأنها القدرة على صياغة خيارات الآخرين، والحصول على ما تريد عبر الجاذبية بدلا من "القهر أو الإكراه"، لكن في النموذج الإيراني لا بد من تفحص هذا الأمر.

في البدء، تمثلت مصادر القوة الناعمة الإيرانية في العناصر التالية:

الثقافة، وتضم: اللغة الفارسية، والتقاليد الإيرانية، والتشيع.

والقيم السياسية، وتضم: الديمقراطية، والانتخابات، وحقوق المرأة والمجتمع المدني.

والسياسات الخارجية، وتضم: الشرعية، والبرستيج، والعلاقات العامة.

وكانت للقوة الناعمة الإيرانية أدوات ثقافية ودينية وإعلامية تتوافق مع أدوات السياسة الخارجية المتمثلة في: التشيع السياسي والخطاب الثوري المعادي لأميركا والغرب، والقضية الفلسطينية.

وكان خلف مبدأ "تصدير الثورة" مشروع يدعى مشروع "حوزة إيران الحضارية" أو "إيران الكبرى"، والتي تشمل المنطقة الواقعة على حدود الصين شرقا والمحيط الهندي جنوبا والخليج العربي غربا والقوقاز والبحر المتوسط شمالا.

وعلى خلفية فشل إيران في تقديم قصة نجاح اقتصادي كما فعلت تركيا، والفشل في بناء نموذج سياسي جاذب، وكون الديمقراطية الإيرانية ديمقراطية شكلية واقعها ثيوقراطي ومضمونها ديكتاتوري، وجود مشاكل هائلة في موضوع الحريات والشفافية، وكون العنصر الثقافي الفارسي سواء المتعلق باللغة أو الحضارة لا يُعد عامل جذب أو تأثير، تبدل الدور الطبيعي للقوة الناعمة الإيرانية وتمحور حول السعي إلى الهيمنة على الأقليات الشيعية في المنطقة وتبني العامل الطائفي لحشدها وتأطيرها في ميليشيات تابعة لمؤسسة حرس الثورة الإسلامية، التي كان لها دور في الأزمات الداخلية: اللبنانية والعراقية واليمنية.

وتنتشر الأقليات الشيعية بنسبة (20 - 25 %) في الكويت، ونسبة (15 %) في سورية، ونسبة (10 - 15 %) في كل من: أفغانستان وباكستان، ونسبة (4 %) في المملكة العربية السعودية وتركيا، ونسبة (5 - 10 %) في سلطنة عمان، ونسبة (10 %) في كل من الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر. وثمة أربع دول فحسب ذات أغلبية شيعية كبيرة، وهي: إيران (90 - 95 %)، والبحرين (65 - 75 %)، وأذربيجان (65 - 75 %)، والعراق (65 - 70%). بينما تقدر نسبة الشيعة في لبنان بنسبة (40 %) وفي اليمن بنسبة (35 - 40 %).

ويشكل الشيعة في العالم باختلاف فرقهم ما بين 7,6 % إلى 13 % كحد أقصى من مجموع المسلمين أجمعين الذين يقدر عددهم بنحو مليار ونصف المليار نسمة. وينقسم الشيعة لمجموعة من الطوائف الفرعية كالإثني عشرية أو الإمامية والإسماعيلية، والزيدية، ذات خلفيات جغرافية ولغوية وسياسية وأيديولوجية مختلفة.

وتتكون الميليشيات الموالية لإيران على أساس الجنسية من الميليشيات التالية التي تتخذ أسماء ألوية وفيالق وكتائب وسرايا:

الميليشيات الإيرانية: تتمثل في "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري بقيادة الجنرال قاسم سليماني، و"الباسيج"، وتعني بالعربية قوات "التعبئة الشعبية"، وهي ميليشيات شبه عسكرية تتكون من متطوعين مدنيين.

وهناك ميليشيا لبنانية تتمثل في "حزب الله"، وميليشيا سورية تدعى "حزب الله السوري" و"صقور الصحراء" و"المقاومة العقائدية".

وتتواجد الميليشيات العراقية التالية: لواء "أبو الفضل العباس"، و"لواء أسد الله الغالب"، فوج التدخل السريع، ولواء "الرضا"، و"كتائب حزب الله" العراق، وكتائب سيد الشهداء، ولواء ذو الفقار، وحركة النجباء وأذرعها العسكرية: "لواء عمار بن ياسر"، و"لواء الحسن المجتبى"، ولواء "كفيل زينب"، ولواء "الإمام حسين"، ولواء "المؤمل"، ولواء رقية الجعفري، لواء "الإمام المهدي"، ولواء صابرين، و"عصائب أهل الحق"، وكتائب الإمام علي، وفيلق الوعد الصادق، وسرايا طلائع الخرساني، وقوات الشهيد محمد باقر الصدر الجناح العسكري لمنظمة "بدر". ويضاف إليهم فصيل "بابليون"، وهو أول فصيل عراقي مسيحي في سورية يتلقى الدعم العسكري من الحكومة العراقية، وبإشراف إيراني.

وتتمثل الميليشيات اليمنية في حركة "أنصار الله" المعروفة باسم "الحوثيين"، أما الميليشيات الأفغانية والباكستانية فتتمثل في لواء "الزينبيون" ولواء "الفاطميون" ولواء خدام العقيلة.

وحسب الولاء الديني المذهبي والطائفي كانت غالبية هذه الميليشيات شيعية استندت إلى حجج الدفاع عن المراقد الشيعية وفي مقدمها مقام "السيدة زينب". وضمت من يسمون المتشيعين الجدد، من السنة، والعلويين، والإسماعيليين.

ومثل البعد الطائفي أحد أهم أسباب تطوع الأفراد في هذه الميليشيات، بالإضافة إلى المصلحة الشخصية التي تتضمن الحصول على المال، وبعض الميزات الأخرى. وعلى سبيل المثال يتم إغراء الأفغان والباكستانيين للقتال في سورية بالمال والإقامات.

ويعتقد أن تكلفة نحو 4 آلاف عنصر من الميليشيات الشيعية فقط، تقدر بنحو 12 مليون دولار شهريا، تسددها الحكومة العراقية، وأن إيران ومنذ بداية عام 2014 كانت تمول عملياتها في الجبهات العراقية والسورية واللبنانية من الخزينة العراقية، وزودت إيران الميليشيات الشيعية بصواريخ داود الإيرانية الصنع، ودبابات حديثة.

وشملت الخريطة الجغرافية لانتشار هذه الميليشيات التي يقدر عددها بعشرات الآلاف، كل المحافظات السورية، لكن محافظة دمشق تشكل الثقل الأكبر، وارتكب أعضاؤها كثيرا من المجازر. يعد توفر عنصر الإكراه في عموم ظواهر العمل الميليشياوي، في بلدان مختلفة من العالم، وبغض النظر عن أيديولوجيته وذرائعه، مؤشرا أوليا على ضعف استمراريته لحقبة طويلة من الزمن، كما أن الدافع المادي المصلحي لأعضاء الميليشيات يضعهم في منزلة المرتزقة أو القتلة المأجورين الذين يتم التخلي عنهم عندما تنتفي الحاجة إلى خدماتهم، ولذلك ستواجه الظاهرة الميليشياوية الإيرانية المصير المحتوم الذي واجهته ظواهر سابقة في بلدان فرض فيها منطق وقانون الدولة العصرية المدنية.