أثار الفيلم الوثائقي "هل يصنع القتلة الدواء؟"، للمخرجة التونسية إيمان بن حسين، جدلا واسعا داخل وخارج تونس، لما يتضمنه من حقائق خطيرة تكشف تورط بعض المؤسسات الحكومية التونسية مع وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون" في إجراء تجارب لدواء إسرائيلي على أطفال الجنوب التونسي.

وأكدت المخرجة التونسية، في تصريحات صحفية تورط عدد من الجهات الرسمية في تونس، على غرار معهد باستور، ووزارة الصحة، مع وزارة الدفاع الأميركية، وأكبر شركة أدوية إسرائيلية في استغلال أطفال قصّر بالجنوب التونسي، وجعلهم "فئران تجارب" لدواء جلدي يهدف لمعالجة مرض "ليشمانيا" الذي أصيب به جنود أميركيون في حرب الخليج. وكانت مصادر إعلامية تونسية وجهت في مارس الماضي أصابع الاتهام إلى معهد باستور والوزراء التونسيين ومجموعة من الأطباء والعاملين في المجال الصحي، باستغلال 375 طفلا تونسيا في هذه التجارب.


شهادات حية ووثائق

جمعت المخرجة بين الوثائق المكتوبة والشهادات الحية للمتورطين، فيما اعتبرته "مؤامرة" انطلقت خلال الفترة الممتدة من سنة 2002 إلى 2014، رغم صدور حكم تنفيذي من المحكمة الإدارية يقضي بإيقاف هذه التجارب.

ووثق الفيلم شهادات رئيس مخبر الوبائيات الطبية بمعهد باستور، عفيف بن صالح، ورئيس لجنة الأخلاقيات الطبية، سمير بوبكر، ومجموعة من الوزراء الذين مروا بوزارة الصحة في الفترة التي تمت فيها تلك التجاوزات، حين استجابت لمطلب البنتاجون المتمثل في إخضاع مواطنين، من بينهم أطفال قصّر للتجارب، وأوردت أيضا شهادات حقوقيين ورجال قانون، ومختصين في الصحة العمومية.

وأشارت إيمان بن حسين إلى أن أكثر من 100 شخص متورط في هذه المؤامرة التي تعتبر جريمة دولية، على حد قولها، حسب تصنيف المحامين أو المستشارين القانونيين، وهي تصريحات تدعو إلى التحرك العاجل لوضع حد لهذا الإجرام بحق الإنسانية.

وقالت إن العمل في تصوير الفيلم الوثائقي انطلق بعد الحصول على وثيقة تتضمن تصريحا لجنرال أميركي، لم تذكر اسمه، إلى حين عرض الشريط، قال فيها إنه ببعض الدولارات، تمكنوا من شراء أشخاص من منطقة في الجنوب التونسي، ليقيموا تجاربهم.


جمع المعلومات التفصيلية

أضافت بن حسين أنه بدأ العمل بجمع المعلومات، برفقة فريق مختص من محامين وأطباء ومختصين وقد توصلوا إلى عدة حقائق ومعطيات خطيرة، تثبت صحة ما صرح به الجنرال الأميركي. وأكدت أنهم راسلوا الشركة الإسرائيلية، وكذلك أطرافا أميركية، وحصلوا على شهادات من مسؤولين إسرائيليين وأميركيين وتونسيين، بعضهم اعترف أنه خالف القانون، إلى جانب شهادات من أشخاص أقيمت عليهم التجارب، ويجهلون حتى اللحظة حقيقة التجربة التي خضعوا لها.

وكشفت المخرجة التونسية أن قضية سترفع في تونس، وأخرى دولية لدى محكمة الجنايات الدولية، للمطالبة بملاحقة المسؤولين المتورطين، ومطالبة الجيش الأميركي والمسؤولين عن التجربة بدفع تعويضات للأشخاص الذين أخضعوا للتجربة. مشيرة إلى أن القانون التونسي يمنع إجراء التجارب على القصر، مؤكدة أن الجريمة تمت بمنطقة بالجنوب التونسي، حيث خضع أطفال مصابون بمرض "ليشمانيا" إلى تجارب لمرهم جديد تم تحضيره بأكبر مختبر أدوية إسرائيلي، وهو يتكون من مواد خطيرة، مقابل مبلغ مالي قدره 50 دينارا يتسلمه كل من خضع للتجربة، أو كل من أقنعوه لحاجيات مادية بأن يكون فأر تجارب.





تورط مسؤولين بارزين

يكشف الفيلم حقائق خطيرة وصادمة عن إخضاع معهد باستور، ووزارة الصحة التونسيين بمعية البنتاجون ومختبر الأدوية الإسرائيلي، أطفالا قصر بالجنوب التونسي لتجارب صيدلانية، وجعلوا منهم فئران تجارب لمرهم مداواة مرض اللشمانيا الذي أصيب به جنود أميركيون في حرب الخليج.

من جهته، أقر معهد باستور بالتجارب، وقال إنها لا تشكل خطورة على حياة أولئك الأطفال، كما نفى الاتهامات، وقال في بيان له إن البحوث التي تحدثت عنها إيمان بن حسين، لم تشكل أي خطر على صحة المرضى، بل على العكس فهي أعطت أملا كبيرا لإيجاد دواء مناسب وناجع ضد الداء.

وفي ذات السياق، قال مدير معهد باستور، الهاشمي الوزير إن البرنامج يتعلق بتطوير مرهم ضد مرض اللشمانيا الجلدية، موضحا أن المشروع جاء في إطار شراكة وتعاون، بين معهد باستور ومعهد "والتر ريد" الأميركي الخاضع لإشراف ووزارة الدفاع الأميركية.


فضيحة وسابقة خطيرة

يذكر أن اللشمانيا مرض جلدي ينقله البعوض، ومصدره الرئيس القوارض مثل الجرذان، وفترة حضانته أقل من شهرين، تسببه طفيليات دقيقة ويصاب بها الإنسان عن طريق لدغة ذبابة تعرف بالحشرة الرملية، وتعيش في الأماكن الرطبة والمظلمة، وتنشط في الصيف، وتخلف لدغة الذبابة حبة ثم قرحة مغطاة بقشرة سميكة تخلف ندبة ولا يشفى منها الإنسان إلا بعد شهرين أو ستة أشهر.

في انتظار بث الفيلم وتداعياته، يبقى الشارع التونسي يتساءل: "هل حقا أطفال الجنوب التونسي فئران تجارب للبنتاجون وإسرائيل؟"، وكيف ستتم معاقبة أولئك المسؤولين الذين خانوا مسؤولياتهم، وتواطؤوا - لأسباب خاصة - على جعل مواطنيهم، ومنهم أطفال في عمر الزهور، فئران تجارب، على أدوية يمكن أن تحمل في مكوناتها ما يتسبب في الإضرار بهم، أو تعريض صحتهم إلى الخطر. وهو ما يعتبر فضيحة كبرى وسابقة خطيرة في تونس، قد تطيح بوزراء ومسؤولين من مؤسسات حكومية، خاصة في ظل ما يعانيه التونسيون من أوضاع أمنية واقتصادية هشة.