نحن مجتمع يريد إجازة قبل الإجازة وإجازة بعد الإجازة! ثم نشتكي من مخرجات التعليم بمجمله! نعم هنالك عوامل أثرت سلبيا، سواء كانت المناهج أو الهيئة التعليمية أو الإدارية، وتحدثنا عنها بمقالات سابقة، ولكن ظاهرة الغياب تحتاج أن نلفت الانتباه لها ونعيد ونكرر، فرغم أن كثيرا من الكتاب تعرضوا لهذا الموضوع، لم يحدث بعد أي تغيير! بدليل أن من يذهب إلى دوامه خلال هذه الأيام يدرك ذلك من خلال انخفاض زحمة السير، فيجد نفسه يصل إلى عمله قبل الموعد وبفارق كبير من الوقت!
ما إن يقترب موعد الأسبوع ما قبل الإجازة حتى تتهافت عليّ بعض الطالبات لكي يعرفن عدد أيام الغياب، وكم بقي لهن قبل أن يُحرمن من المادة، لماذا؟ لكي يقررن ما إذا كان ما زال لديهن أيام حتى يغبن في ذلك الأسبوع! وكأن نسبة الغياب المسموح بها حق مكتسب ويجب أن يستخدمن جميع الأيام، وأن هي في الأصل لم توضع من أجل صاحبات الظروف الخاصة، ولكي يزداد عدد الأيام، يحضرن أعذارا طبية "أشكالا وألوانا"! إن أضفناها إلى نسبة عدد الأيام المسموح بها الغياب من دون عذر طبي، تصبح نسبة الغياب تقريبا أكثر من 40% من أيام المادة! ولو أن أحدا نظر إلى ملف الأعذار الطبية لدي لوجده منفوخا يشتكي التخمة! وهذا لا يحدث عندي فقط، بل الكثيرات غيري! إذا ما نسبة ما يتلقينه من تعليم؟!
لأعطيكم فكرة عن رسائل الطلب والتمني: "يا أستاذة راعينا"، طبعا لأني بائعة ولست أستاذة في مؤسسة تعليمية! "بكرا في محاضرة؟"، وهل نزل تعميم على موقع الجامعة يضم غدا لأيام الإجازة؟! كلا! إذا لماذا السؤال؟"بعض الأستاذات لغين محاضرات يوم الخميس"! لا يعني أن غيري لغى بأنني ملزمة بأن ألغي!" دكتورة الخميس إجازة، وأنت أيضا يجب أن ترتاحي لأنه لا يوجد داعٍ كي تداومي، لذا ِالغِي المحاضرة "ما هذا المنطق: بما أن الغالبية منهن قررن أن يوم الخميس إجازة إذن هو إجازة! ثم والله فيهن الخير واضح جدا أن راحتي هي سبب طلب إلغاء المحاضرة!" الإجازة بس أسبوع تكفين، لو جبر خاطر"، تشعر هنا وكأنك سوف تكون لئيما وكسّار الخواطر إن لم تستجب! وغيرها كثير من الرسائل، المهم أنني أثبت على مبدئي وإيماني بحق الطالبات في المحاضرات وأنه من واجبي الالتزام بذلك، وأرسل الرفض والتأكيد على الحضور حتى إنني كأسلوب ترغيب أرسل رسالة للجميع: "من تأتيه الفرصة ليرى وجوهكم الحلوة وقلوبكم الطيبة وأرواحكم الشفافة ويحرم نفسه من هذه النعمة التي منَّ عليه بها رب العالمين، الله لا يحرمني من هكذا نعمة، وأحمده على كل هذه الدرر التي أزهرت في بستان حياتي"، وقد عنيت كل كلمة... وحضرت باكرا وانتظرت من سيأتي!
ولله الحمد استجابت كثيرات، لكن عدد لا بأس به أصر على الغياب! وهنا لكي أحرك الباقي قلت لمن حضرن منهن "أشكركن على التزامكن، وحبذا لو تخبرن من لم تحضر بأن الغياب سيحسب بثلاثة أيام"، وانتظرت... وكما توقعت حضر بعضهن في المحاضرة الثانية أو الثالثة، ولكن أيضا بقي هنالك من لم تحضر! طبعا لن أخصم سوى يوم واحد، ولكن حينما تريد أن تُحرك الفرد المستهدف، أحيانا تحتاج أن تذكر له ما سيخسر، فيستجيب أكثر مما لو أنك ذكرت له ما سيكسب! وبدأت رسائل الأعذار تهب على جهازي كالإعصار! عجبا كيف أن كل هذه الأعذار والظروف تجمعت في اليوم الأخير قبل الإجازة! وبالطبع بعد العودة سوف يزداد ملف الأعذار الطبية تخمةً حتى ينفجر! ولو قرأت لكم التعليقات التي وضعتها بعض الطالبات اللائي اعتبرنني مستبدة وظالمة، ستجدون العجب العجاب! فمنهن من اعتبرن أنفسهن مظلومات وعليه فإن الحق سينتصر! الله أكبر! شعرت وكأنني في معركة مصيرية بين الخير والشر وبين الحق والباطل... ولست في قاعة محاضرات!
كل ذلك لماذا؟ لأنهن من التعليم العام قد تعودن -هن وأسرهم- على عدم فاعلية الأسبوع الأخير قبل الإجازة: "الأسبوع الميت"، قتله عدم اهتمام إدارة كثير من المدارس بعدم إعطائه الأهمية؛ مثلا بتخصيص أيامه للاختبارات الشهرية أو الإصرار على الأهالي بعدم السماح لأبنائهم بالغياب في ذلك الأسبوع، أو تذكير الهيئة التعليمية بالتأكيد على طلابهم وتلاميذهم على الحضور وعدم إرسال رسائل خفية للطلبة لحثهم على الغياب، وتقديم الحوافز لمن يحضر والخصم الحازم لمن يغيب، وإشغالهم بما يفيد من متابعة تنفيذ المناهج والأنشطة الصفية واللاصفية.
ولكن أيضا لا ننسى أن للأسرة دورا كبيرا، وعليه فإن عدم دعم الأهالي يعكس جهلهم بما يترتب عليه الغياب من آثار سلبية على العملية التعليمية والتربوية وعلى الطالب نفسه من ضياع فرص النجاح والتفوق، بل إنه يمتد إلى التعليم العالي! إن الالتزام والانضباط عاملان أساسيان من عوامل نجاح وتميز الطالب، كما أنه من الصعب على أستاذ أي مادة بناء المهارات المطلوبة وتطويرها إذا كان عدد كبير من الطلاب يتغيبون عن المحاضرات، خاصة أن إجازاتنا كثيرة وما يسبقها ويليها أكثر! هذا الهدر يجب أن يتوقف إن أردنا أن يأخذ أبناؤنا حقهم في التعليم؛ وإن تنازل هم يجب ألا نتنازل نحن! يجب وضع اللوائح والقوانين التي تؤكد وتتابع جدية التفعيل والمحاسبة لدى جميع الأطراف.