أفضل طريقة لتحييد أي وسيلة هي إفراغها من محتواها أو قيمتها التنافسية، فـ"تويتر" اليوم بفعل العديد من الظروف والمتغيرات أصبح أشبه بوسيلة إعلامية تقليدية، يتشكل محتواها في الغالب من لون واحد، فمع تنامي حالة التجريم لأي صوت قد يغرد سلميا خارج السرب أصبح لهذه المنصة الإعلامية الاجتماعية دور يختلف جذريا لما كان عليه واشتهر به عبر السنوات الماضية، بحيث فقد رونقه الفاعل ودوره المحرك للمجتمع والفكر الإنساني على وجه العموم.

لن أكون مجحفا لو قلت إنه في كل مرة امتدحت أمرا -وهو أمر نادر الحدوث بحكم نظرتي النقدية الغالبة- أجد أن المؤيدين والمهللين لتغريدتي الخارقة -وهي في الغالب تتعلق بشأن حياتي عادي- يبدؤون في إعادة التغريد وتأكيد عظمة ما قلت، في حين أني أجد المزايدات والاتهامات بكل أنواعها تنهال علي في كل مرة أسلط الضوء نقدا على أمر معين، وهي كثيرة على اعتبار أن الإعلامي والكاتب دوره الاجتماعي يكمن في كشف العيوب والتجاوزات، لا التمجيد للإنجازات والبطولات.

أعتقد أن حالة الاصطفاف التي كنا وربما ما زلنا نقول بأن مجتمعنا يتصف بها قد أصبحت شيئا من الماضي، فالاصطفاف الذي كنا نتحدث به كان عندما كانت الاختلافات بين أطياف المجتمع ماثلة وذات حراك وغليان، بينما اليوم كما يبدو إما أن البعض تنازل عن قناعاته أو أن القناعات بفعل الظروف قد تمازجت واضمحلت أو أجبرت على الاضمحلال، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي تتعامل مع الشأن الاجتماعي بسلبية الرأي الواحد، الأمر الذي قد أفرغها حقا من دورها الاجتماعي الإيجابي.

القول بأن الرأي الواحد أو التوحد حول رأي واحد هو كالقول بأن يتجرد الإنسان من عقله وأن يترك لغيره أن يقرر له، تماما كما يتم التعامل مع الطفل أو مع المختل عقليا، فلا يجوز في ظل حراك المجتمع والمحيط أن يستمر الحال على تنمية الشعور بالخطأ تجاه الآراء التي تنظر للأمور بشكل مختلف وتتفق في الهدف، فليست كل الطرق تؤدي إلى روما في عصر أصبح للفرد عقل متحرك ورأي متجدد ودور أكبر من مجرد رقم في قائمة أرقام.

لنتذكر أن "تويتر" كان أحد أهم محركات التغيير الاجتماعي، فنهض به المجتمع للأمام، أما اليوم فقد عطل بفعل سلبية البعض وقدرتهم الفائقة على تنمية روح التطبيل والتأييد الأعمى.