كانت الخامسة عصراً، وقبل أسبوعين، وحالما انتهيت من إتمام إحدى قراراتي العائلية الشخصية المبهجة المفرحة، جاءني اتصال "العم سيد حكم" من هذه الغالية "الوطن" وكالعادة يسأل عن إرسال المقال اليومي. وفوراً استأذنت بالانصراف لفترة من الوقت وطلبت منهم أن أستمتع باللحظة. وفي المعدل الوسطي، أنا ولله الحمد، أكتب مقالي في ظرف ربع ساعة من الزمن، لكن القصة في الكتابة ليست مجرد زمن القلم والورقة. الكتابة اليومية هي ضغط الساعات الطويلة من التفكير في التقاط الأفكار، وهو ما يجعلك مشلولا مشتتا حتى وأنت تلهو وتضحك مع الأصحاب، تضحك بشفة وتكتب بالشفة الأخرى فكرة المقال القادم.

في غيابي القصير عن الكتابة، هجرت نشرات الأخبار بوصفها معامل البؤس والكآبة التي وترت أعصابي لسنين طويلة. وحين عدت إليها ما قبل البارحة اكتشفت أنها ذات العناوين العاجلة الحمراء التي تركتها لأسبوعين: لم يتغير شيء في عداد القتل العروبي الذي يسير بوتيرة منتظمة في عواصم ومدن هذه الخريطة. في غيابي القصير، قررت أن أكون طارئا ناعما على مواقع التواصل الاجتماعي. لم أفتح مئات المقاطع أو التغريدات القادمة إلى حسابي، ومرة أخرى عدت إليها مساء ما قبل البارحة لاكتشف أننا لا زلنا نلوك نفس القضايا وإن بنسخ مختلفة. في غيابي القصير لم أفتح صحيفة واحدة فلا زالت أوراقها "كوماً" أمامي على المكتب، وسأعود قريباً لمجرد تصفح ما فات من العناوين وقطعاً سأكتشف ما يلي: هذا العالم العربي الذي يزحف للوراء منذ قرنين لن يتوقف عن ذات الزحف الرجعي خلال أسبوعين من توقفي عن المتابعة.

في اليوم الأول من غيابي القصير عن الكتابة ذهبت إلى مكتبة كبرى بميزانية محترمة من أجل شراء ما يمكن لمتعة القراءة. وللحق، خرجت بمجرد كتابين بعدما يقرب من ساعتين من تصفح العناوين. لا أعلم لماذا حتى المكتبة صارت بليدة متجهمة؟ وهل المشكلة في الرقابة أم في الذائقة أم أنها "تكلس" العقل الإبداعي لمكتبات وكتب لا تذكرني سوى ببرنامج "ما يطلبه المشاهدون"؟. في غيابي القصير عن الكتابة اكتشفت برهان ما كنت قد كتبته من قبل أن هذا العالم العربي عمارة كبرى من دورين: واحد للقتل والحروب وعداد الموتى الجماعي الذي هجرته لفترة قصيرة في نشرات أخبار التلفزيون، وآخر للرقص والفن والوناسة، وفي ذات شوارع العواصم والمدن: تكتشفه بمجرد السباحة بجهاز الريموت كنترول ومن على نفس "الكنبة" وذات التلفزيون.