ببيانها البليغ والمتقن دقّت المغرب مسماراً آخر في نعش لم يعد يتسع لمسامير، والنعش المقصود هو نعش الجامعة العربية، الذي حفرت أخشابه الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، والتي لم يعجبها يوماً أداء الجامعة ومؤسساتها ـ لا سيما السياسية منها ـ ولم تشعر أنها تعبر عنها وعن تطلعاتها، وهي المؤسسة التي يفترض أنها تأسست بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة لتكون تعبيرا عن الآمال والمصالح المشتركة للدول العربية وشعوبها.

ولم تنجح الجامعة مرة واحدة في إقناع العرب بدورها أو حتى لفتت انتباههم لنشاطاتها وقممها المتعاقبة، وكانت على مدار السنوات موضوعاً لعشرات آلاف المقالات الصحفية، وبعض المسرحيات الكوميدية في التلفزيون.

والموقف الشعبي من الجامعة والقطيعة الجماهيرية معها بدأت بضياع فلسطين عام 1948، وأصبحت قطيعة نهائية بعد نكسة عام 1967، حيث خيمت ظلال الهزيمة على المواطنين العرب، وتركت أثرها عميقاً في أرواحهم وعقولهم، ودفعت بهم نحو اليأس، وعززت إلى الأبد شعوراً عاماً بأن الجامعة هي التعبير الرسمي العربي الذي لا يمت بصلة لأفكار الجماهير وأحلامها، فقد كانت تلك النكسة تعبيرا بليغا عن فشل النظام العربي الرسمي، والمسافة الشاسعة بين أقواله وأفعاله، بين شعاراته وواقعه.

واستمرت الجامعة تنفق من رصيدها حتى فرغ تماماً، وصارت القمم تمر دون اكتراث من أحد، ويحضر لها دون أمل بشيء، مجرد إجراء روتيني، كان يتخلله بعض الكوميديا (حتى هذه خسرتها الجامعة العربية بموت معمر القذافي وتعليق عضوية بشار الأسد).

هذا الأسبوع تعقد الأمانة العامة للجامعة اجتماعات حثيثة مع موريتانيا لترتيب التحضيرات لعقد القمة في نواكشوط متأخرة عن موعدها الاعتيادي بضعة أشهر، وهذا حتى اللحظة حدث عادي، فمن مهام الأمانة العامة أن تجري التحضيرات وتتابع مع الدولة المضيفة ترتيبات عقد القمة، لكن ما هو غير عادي في هذا الحدث يتوزع على مستويين، الأول هو أن مكان انعقاد القمة المقرر هذا العام هو المغرب، وقد اعتذر المغرب عن استضافتها، والمستوى الثاني أن حدثاً كهذا أيضاً مرّ دون أي اهتمام شعبي أو إعلامي.

فاعتذار المغرب عن استضافة القمة وبالطريقة التي تم بها والأسباب التي قدمتها المغرب لإلغاء القمة هي أول حدث غير عادي في تاريخ الجامعة العربية، وكونه مرّ دون اهتمام يذكر، فهذا الدليل الدامغ أننا نتحدث عن جثة.

المغرب في بيان اعتذاره الذي صدر عن الخارجية أورد مواقف وأسباب تنطق بلسان حال المواطنين العرب: "نظرا للتحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم، فإن القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع مناسباتي. فالظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمة عربية ناجحة، قادرة على اتخاذ قرارات في مستوى ما يقتضيه الوضع، وتستجيب لتطلعات الشعوب العربية. وأمام غياب قرارات هامة ومبادرات ملموسة، يمكن عرضها على قادة الدول العربية، فإن هذه القمة ستكون مجرد مناسبة للمصادقة على توصيات عادية، وإلقاء خطب تعطي الانطباع الخاطئ بالوحدة والتضامن بين دول العالم العرب".

هذه اللغة المستخدمة في البيان، والموقف الذي تعبر عنه لا ينتميان للمألوف في اللغة الرسمية العربية، وبيان الخارجية المغربية الذي تقول إنه صدر "طبقا لمقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية"، هو فعلاً يطابق الميثاق، لكن كما صدر فعلاً وكما يجب أن يكون، وليس كما تعودنا عليه عبر سبعين عاماً من عمر الجامعة وسبعاً وعشرين دورة من القمم العربية.

وقد كان بإمكان أي مواطن عربي صادق وغيور أن يقول: "إن العالم العربي يمر بمرحلة عصيبة، بل إنها ساعة الصدق والحقيقة، التي لا يمكن فيها لقادة الدول العربية الاكتفاء بمجرد القيام، مرة أخرى، بالتشخيص المرير لواقع الانقسامات والخلافات الذي يعيشه العالم العربي، دون تقديم الإجابات الجماعية الحاسمة والحازمة، لمواجهة هذا الوضع، سواء في العراق أو اليمن أو سورية التي تزداد أزماتها تعقيدا بسبب كثرة المناورات والأجندات الإقليمية والدولي". ولكن من قال ذلك هو حكومة عربية هذه المرة، وقد قلت مواطناً عربياً صادقاً وغيوراً، لأنه الوحيد الذي يستطيع استخدام تركيب "مرة أخرى" فيما يتحدث عما سيفعله القادة العرب في القمة.

شكرا لحكومة المغرب عما لم تفعل، وشكرا لها أكثر لطريقتها في التعبير عن هذا اللافعل والذي فاق أي فعل.