ما زالت الاستفسارات والاستفهامات تشغل عقل الكثير من المحللين السياسيين، في كيفية استطاعة قيادة المملكة العربية السعودية جمع الكثير من الدول العربية والإسلامية في فترة زمنية وجيزة جداً، حشد قوات عسكرية في مناورة ضخمة على حدود 4 دول، قياساً بما يتطلبه ذلك بروتوكولياً على كل الأصعدة من مفاوضات ولقاءات وتحضيرات متعددة، وطويلة زمنياً تسبق أي عمل دولي، فكيف إذا كان ذلك بتجميع قوات عسكرية مختلفة التوجهات والأعراق من أنحاء العالم العربي والإسلامي، وليس مجرد تجميع مواقف سياسية هامشية عادة ما تنتهي ببيان مشترك لا يسمن ولا يغني من جوع.

شخصياً لا أشك في أن ذلك قد حدث نتيجة عمل مستمر للقيادة السعودية عبر فترات تاريخية سابقة تعاقب عليها قادتها الملوك واحداً بعد آخر، وكل منهم تعامل مع ما تقتضيه ظروف المرحلة وأحداثها، فارضة احترام الجميع على أداء المملكة السياسي خارجياً وداخلياً، من خلال قدرتها على التعامل مع ملفات كثيرة على الطاولة، واتخاذ القرار المناسب إزاءها في الوقت المناسب للقضية المناسبة، وهي سياسة موفقة تستخدم في الغالب سياسة النفس الطويل، تتيح لصاحب القرار رؤية أوسع للمشكلات وطرق التعامل معها، وفق الحاجة لاستخدام مقدار معين من ردة الفعل، وهنا تبرز القدرات المطلوبة لتحقيق مثل هذه السياسة الصعبة والمعقدة، التي تستوجب ضبط النفس إلى أبعد حد ممكن، وعلى ذلك تُبنى القرارات الصارمة التي لا رجعة عنها، بحثاً عن كل ما من شأنه الحفاظ على طريقة عيشها وأمنها، ومستوى القرار الكفيل بتحقيق تلك الأهداف المشروعة، بل والضرورية لأية أمة.

ولن أبالغ إذا قلت إن المملكة نجحت في تقديم نفسها من هذا الجانب بطريقة تثير الإعجاب، وقدمت معها نموذجاً يُحتذى للعالم حتى في ظل تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري العالمي، وأثبتت من خلال ما يحدث في الوقت الراهن نجاحها في قراءة التحولات باختلافها على المشهد الدولي.

وجاء تحالف قوات دول عربية وإسلامية عظمى في عمليات "رعد الشمال" تأكيداً على هذه القدرات السياسية للمملكة، مدللة على قوة العمل الذي يدعم القرار السياسي المرتب، باستخدام الممكن والمتاح من الأدوات الواضحة في اليد، ومن ثم البحث عن الوسائل خارج تلك القدرات.

إذ تأتي القوة الاقتصادية المالية التي تتمتع بها المملكة، والتي تم توظيفها هنا بالشكل المطلوب، باعتبارها جزءاً مهماً من صنع الحدث وتشكيله، ودعم وإنجاح القرار السياسي.

الأمثلة كثيرة في الواقع على القدرات السياسية للمملكة، فملف محاربة الإرهاب وحده يكفي لإثبات ذلك، وكذلك الملف الإيراني الشرس، والأزمة الاقتصادية العالمية، لكن أكثرها أهميةً ووضوحاً، يظهر في القدرة على تجميع قوى عظمى عسكرياً خارج موافقات مهمة داخل الأمم المتحدة ليس بالأمر السهل مطلقاً، ويتطلب لفعل ذلك العمل خارجها على صنع توافق دولي للقوى العظمى التي تتحكم في العالم والقرارات الأممية، وهي القدرة السياسية التي أجادها القادة في المملكة، تحت مظلة توافقية واسعة داخل جامعة الدول العربية، والمنظمات والهيئات العربية والإسلامية في أنحاء العالم.

القصة بكاملها تعلن حقيقة عن وجود قوي لقوة إقليمية، يمكنها أن تقوم بدور قيادي هام، يستطيع حفظ توازنات دولية في الشرق الأوسط، لا تعتمد على الخارج وترتيباته واشتراطاته الحرفية، التي طالما أرهقت بهيمنتها على المنطقة أسلوب حياة سياسية واجتماعية وحتى ثقافية. وأظن أننا أمام مستقبل مختلف في تركيبته ووعيه عن المشهد البراجماتي للأجيال السابقة.