في اجتماع وزراء المالية لمجموعة العشرين، الذي يسبق اجتماع القمة المزمع انعقادها هذا الشهر في كوريا الجنوبية، أعلن الوزراء عن توصلهم لميثاق يمنع الدول من التدخل في أسواق النقد بهدف تخفيض عملاتها. ولكن على الرغم من هذا الإعلان فإن البنوك المركزية ما زالت تتخذ إجراءات احتياطية لمواجهة مخاطر عدم التزام الدول بهذا الميثاق. فكما هو الحال دائما، فإن النقاش دار بين جبهتين، الدول المتقدمة، والدول الصاعدة. تعاني الدول الصاعدة من وطأة انخفاض أسعار الفائدة الأساسية في الدول المتقدمة، والتي تصل إلى أقل من 0.25% في الولايات المتحدة، في حين تعاني الدول المتقدمة من عجوزات هائلة في موازينها التجارية، التي إن أضيفت إلى العجوزات الناتجة عن حزم الإنقاذ التريليونية فإنها تهدد مستقبل التعافي الاقتصادي من تبعات الأزمة المالية العالمية.
أسعار الفائدة المتدنية تدفع الأموال الاستثمارية في هذه البلدان إلى البحث عن فرص استثمارية عالية العوائد في الخارج. وبذلك تصدر هذه الأموال للدول الصاعدة، التي تعاني بدورها من ارتفاعات متزايدة في قيم أصولها الثابتة. حركة هذه الأموال باتجاه أسواق المال في الدول الصاعدة يزيد من الطلب على عملاتها الوطنية، الأمر الذي يقلص من ميزة السعر المنخفض لصادراتها. فعلى الرغم من أن اقتصاديات الدول الصاعدة أظهرت مؤشرات تعاف قوية، كالصين مثلا التي سجلت نموا في ناتجها المحلي بنسبة 9.6% عن الربع الثالث لهذا العام، إلا أن اعتمادها بشكل رئيسي على الصادرات يجعل من ارتفاع قيم عملاتها أمرا يهدد بتقويض اقتصادها الكلي.
البنوك المركزية بدأت في الاستعداد وتجهيز أسلحتها لحرب العملات المقبلة. ففي الولايات المتحدة، أعلن عن خطة جديدة للتخفيف الكمي تقوم بطبع المزيد من الدولارات لشراء سندات الخزينة طويلة الأجل. هذا التحرك سيدفع أسعار الفائدة الأمريكية إلى الانخفاض، وسيوفر مزيدا من السيولة لدى المصارف، مع تقليص القنوات الاستثمارية أمام هذه السيولة. نتاج ذلك سيكون انخفاضا في قيمة الدولار وزيادة التضخم في الدول الناشئة. أما الصين فقد قامت برفع سعر الفائدة الأساسي بنحو 0.25% لمجابهة التضخم المتنامي بسبب ارتفاع أسعار الأصول العقارية. رفع سعر الفائدة سيزيد من الطلب على اليوان الصيني، ولكن البنك المركزي الصيني يتدخل بشكل دائم في أسواق أسعار الصرف لتثبيت عملته، مستخدما احتياطياته النقدية الكبيرة من العملة الأجنبية، ولكن على المدى الطويل، فلا بد من ارتفاع اليوان لأن هذه السياسة المالية مكلفة جدا. بالنسبة لنا، فسنكون أكبر المتضررين من حرب العملات، لأنها سترفع من تكلفة وارداتنا من الدول الصاعدة، بالإضافة إلى تدهور القوة الشرائية لقيمة أصول احتياطياتنا النقدية المقومة بالدولار.