المتأمل اليوم فيما يقوم به الكتّاب من أدوار سيجد أن القارئ يبحث عن كاتبه المفضل ويتابع ما يطرحه، وكأن المساحة التي يحتلها الكاتب تقع في وجدانه لا على ورق الصحيفة.

لا بد أن لكل منكم كتابا يفضلهم ويزداد ارتباطه بطرحهم، أو حتى لو رحلوا يحتفظ بذكرياته مع ما كتبوه له يوما. الواقع أنه منذ بدأت الصحف والمجلات في عالمنا العربي بدأت معها رحلة الكتّاب التنويرية؛ ولا غرو أن كبار الأدباء والنقاد في مطلع عصر النهضة كانوا رواد الكتابة؛ وكان قدر الحرف أن يسبق وجود وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.

الكاتب بالتالي أصبح يشعر أنه كزرقاء اليمامة تكتحل بالإثمد وترى الأبعد وتحذر من الشر القادم.

وأحيانا يتقمص دور فارس القبيلة فيحارب الأعداء الذين يمثلون تهديدا برأيه لفكره أو لوطنه أو لهويته!

والكاتب التنويري كان في ذلك الزمان يمثل صفوة المثقفين.. مضى الزمان وتغيرت أشياء كثيرة، لكن بقي مشعل التنوير بيد الكتاب الذين يدركون أنهم يخاطبون وعي القراء ولا يكتبون لأنفسهم.

الكاتب التنويري اليوم أصبح مختصا بالاقتصاد يخبرك بتوجهات السوق وطرق الاستثمار وهو يشبه ربان السفينة للمهتمين بالاستثمار وما إليه. والكاتب الاجتماعي يقف عند المشكلات ويحلل الظواهر ويتجاوزها ليطرح الحلول فهو يقارب الطبيب النفسي والأخصائي الاجتماعي وغيرهما كذلك؛ لكن كاتب اليوم تنافسه قنوات التواصل المفتوحة بكل أشكال الإعلام، وبالتالي أصبح دوره ليس أن يأتي بالجديد؛ بل أن يطرح ما لديه بشكل مميز لغة أو تناولا للفكرة.

المساحة المتاحة للكاتب سفارة حرف سلما وحربا؛ واليوم ندرك أن الوطن يخوض حروبه الناجحة من خلالنا؛ ويحسب للكتاب المميزين بعدهم عن المهاترات التي يخوضها غيرهم والاكتفاء بدورهم الذي يحملون مشعله بهدوء وثقة أن القادم أجمل.

القرب من صناع الرأي والمواقف ميزة للكاتب السياسي تحتل حروفه بها افتتاحيات الصحف؛ وكل من اقترب من صاحب قرار في تخصصه اقتصادا أو حتى رياضة كان طرحه أكثر عمقا وإدراكا.

وبقي من المهم تضييق دائرة اهتماماتنا اليوم وقصرها على المفيد لنا؛ لأن الانشغال بالأخبار السلبية يشلنا عن التفكير والحياة؛ فأذهاننا مثقلة بأخبار كثيرة من الجرائم للطرائف؛ والخطير أن ما يصب في اللاوعي يؤثر في الوعي بالضرورة؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر أصبحنا اليوم نقرأ عن أخبار اختيار رئيس أميركا ونشغل بها ربما أكثر من انشغال كثير من الأميركيين الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، مع أن سياسة أميركا تجاه العرب لا يديرها فوز رجل أو امرأة بمنصب الرئيس، بل منظومة سياسية معقدة ومصالح اقتصادية بالدرجة الأولى! وقبلها اختلفنا على الأحزاب التي تفوز في بلاد العرب والمسلمين، مع أننا ربما جهلنا من فاز بانتخاباتنا البلدية!

التوتر أو القلق اللذي تحمله القنوات الإخبارية العالمية هو صناعة إعلام لا يجب الاستسلام لها وملاحقة كل جديد، بل يكفي لنا من النهار ساعة واحدة لمتابعة الأخبار كما كان الناس قبل عقود قريبة ينتظرون نشرة الأخبار بعد عشاء كل يوم وكانت حياتهم أهنأ وأهدأ لأنهم ينصرفون لمصالحهم بقية ساعات النهار.

الحياة مستمرة ولكن الإعلام والأحداث التي كانت مغيبة عنّا باتت اليوم تنثال علينا كزخات المطر لكنها ليست غيثا.

ولو نظرنا على المستوى المحلي فبينما نؤمن حدودنا نستمر بمشاريع التنمية والعطاء والبناء بالداخل والخارج، ومواقفنا السياسية في المملكة يعرفها القاصي كما يعرفها الداني، وتصب في مصلحة وخير الداخل والجيران؛ ولو قرأنا ما تدار به الأمور من قوة وحضور في الرياض وخارجها وما يرافق هذه القوة من هدوء في الحياة فشل أعداء الوطن في زعزعته بفضل الله وتكاتف إنسان الأرض مع مصلحة وطنه وغلّبها حتى على مصلحته الخاصة، فكما ذكر اللواء منصور التركي الأسبوع الماضي في إحدى ندوات معرض كتاب الرياض أن تكاتف الآباء مع أمن الوطن أدى بهم لتسليم الأبناء الذين تأثروا بالتنظيمات الإرهابية حتى لا يؤتى الوطن من قبلهم.

وختاما لما سبق يجب أن ننتبه إلى أن النظرة الإيجابية لهذا الوطن والتي تنطق بها كلمات الشكر والعرفان من الأصدقاء، أو الاستعطاف والاستجداء والتلون من المتلونين، أو حتى كلمات الأعداء المسمومة وأكاذيبهم التي لجؤوا إليها حين لم يجدوا من الوقائع ما يشوهنا تؤكد أن هذا الوطن واثق الخطوة يمشي ملكا.