"صناعة الاحتقان": مصطلح استخدمتُه ذات يوم للدلالة على كل فعل "تشويشي" أو تهييجي، أو تحريضي، قائم على قواعد فكرية متكلفة ومصطنعة، هشة في حقيقتها، وقوية في أعين المخدوعين بها من العاطفيين الاندفاعيين، أو التابعين بداهةً دون بصر أو بصيرة.
وصناعة الاحتقان لعبة قذرة بالمعنى المباشر للفظة، وغير أخلاقية، ولا وطنية، تقدم مصلحة وأهداف الفئة على مصلحة الأمة والوطن، وتستعدي كل من لا ينتمي إلى فريقها، سواء أصاب أم أخطأ، فالمهم أنه ليس من تلك الفئة، وذلك يكفي للاستعداء عليه، وإيذائه، والتضييق عليه في رزقه، وتشويه سمعته، وربما يصل الأمر إلى إدخاله في دهاليز قانونية وقضائية لا يستطيع الخروج منها، إلا حين يختار -خاضعا خانعا مغلوبا- السكوت عن نقد خطاب وأفعال صانعي الاحتقان، متخليا بصمته عن واجباته الدينية والوطنية والمجتمعية.
في العادة، تمارس أحزاب المعارضة السياسية "صناعة الاحتقان"، وهو فعل سياسي موجود في جهات الدنيا كلها؛ لأنه لا أخلاق في السياسة ولا مبادئ.
وسواء أكانت الأحزاب الصانعة للاحتقان مُعلنَةً أم خفيةً، فإن أهدافها -على الدوام- لا تخرج عن: إسقاط الأنظمة القائمة، أو تفتيت البلاد إن كانت المعارضة انفصالية، أو إذابة هويتها الوطنية الواضحة القارّة في هوية مُصطنعة أكبر، وهذه أهدف على المدى البعيد.
وهناك أهداف آنية تمهد للأهداف البعيدة، وأهمها: ابتزاز السلطات ومجموعات التأثير الثقافي، والضغط عليها بالقوى الشعبية المغلوبة على عقلها، لتخضع لأهداف صانعي الاحتقان، أو على الأقل تسكت وتتجاهل أفعالهم وتغوّلاتهم في المؤسسات والأجهزة والمجتمع، وتترك "الدرعا ترعى"، حتى "تقع الفأس في الرأس".
لعبة "صناعة الاحتقان" تكون أكثر قذارة، وأكثر بعدا عن المبادئ والقيم التي أقرتها الأديان كلها، عندما تقوم -فكريا- على مداعبة عواطف الميل إلى المفضلات لدى الشعوب، كالعادات المحافظة، والتقاليد المتوارثة، ثم تتضاعف أسباب قذارتها عندما تتكئ على عاطفة التدين، وعلى مقدسات الشعوب وأديانها وعقائدها؛ أي عندما تقوم على استخدام المقدس نفسه في التأجيج وصناعة الاحتقان، من خلال خطاب تهييجي استعدائي تصنيفي ذي إستراتيجية طويلة، لها فقرات كثيرة متسلسلة، وأذرع أكثر من أذرع "أخطبوطات" بحار العالم كلها، وبها يصبح صانعو الاحتقان "دولة عميقة" داخل الدولة الظاهرة، وربما يصيرون -بهذه الأذرع- المتحكّمين وإن لم يَحكموا؛ لأن لهم في كل جهاز رسمي يدا أو أيادي، ولهم على كل تجمع مدني سيطرة، وفي كل فعل جمعي نفوذا.
خلاصة القول لتصل الفكرة واضحة: أننا لو حاولنا إعادة قراءة كثير من الأقوال، والتغريدات، والخطب، والحوارات، والمقالات، والمقاطع الـ"يوتيوبية"، والرسائل الـ"واتسية" المعممة، والأحداث، والاحتسابات، والإنكارات، ومنع بعض المهرجانات الاحتفالية المبهجة، أو الفعاليات الثقافية المستقلة، والتضييق على الابتسامات وأهلها، وعلى الحياة والأحياء، واقتحام بعض الملتقيات والمحاضرات، ومحاولات الإيهام بوجود المنكرات، وحتى بعض المشروعات، وتصرفات بعض المسؤولين الخدميين التابعين لصانعي الاحتقانات؛ لو أعدنا قراءة ذلك كله من خلال فكرة: "صناعة الاحتقان"، لأبصرنا مستقبلا مظلما، وكأنه أمام أعيننا.
حفظ الله لنا ديننا ووطننا وأمننا، وردّ الكيدَ إلى نحور أهله.