انتهز المجلس التأسيسي للاتحاد الفيدرالي الديمقراطي لإقليم "غرب كردستان" المسمى "روج آفا" Rojava وهي الترجمة الحرفية لمصطلح "غرب كردستان" وبشكل دراماتيكي الهدنة المفروضة دولياً وتواصل اجتماعات "جنيف 3"، وانسحاب القوة الرئيسة الضاربة الروسية من سورية، للإعلان، من مدينة رميلان بمحافظة الحسكة السورية، ومن مقر سابق لحزب "البعث"، عن رزنامة قرارات "استجابة للنداء الذي وجهته المنسقية العامة لمناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية (الجزيرة؛ كوباني؛ عفرين) إلى جميع المكونات والقوى السياسية والأحزاب والفعاليات المجتمعية في هذه المناطق وفي المناطق التي تم تحريرها من التنظيمات الإرهابية"، ومنها:
" -1 سورية المستقبل لكل السوريين وهذا ما يحققه نظام فيدرالي ديمقراطي على أساس جميع المكونات المجتمعية. -2 العمل على تأسيس نظام فيدرالي ديمقراطي لروج آفا- شمال سورية. -3 انتخاب الرئاسة المشتركة للمجلس التأسيسي وهيئة تنظيمية تتألف من 31 عضواً. -4 يمكن لكل الشعوب والمجتمعات التي تعيش في ظل النظام الاتحادي في روج آفا – شمال سورية أن تطور علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وشراكات ديمقراطية مع من تراه مناسبا أو يشترك معها في المعتقد والثقافة من الشعوب والمجتمعات وعلى المستوى الإقليمي والدولي، شرط ألا تتعارض هذه العلاقة مع أهداف ومصالح الفيدرالية الديمقراطية السورية. -5 يحق للمناطق التي يتم تحريرها من التنظيمات الإرهابية أن تكون جزءاً من النظام الاتحادي الديمقراطي لروج آفا- شمال سورية بشكل توافقي. -6 هدف النظام الاتحادي الديمقراطي في روج آفا – شمال سورية على المستوى الإقليمي هو تحقيق الاتحاد الديمقراطي في الشرق الأوسط. وتطوير الاتحاد الديمقراطي بين كل الشعوب التي تعيش في الشرق الأوسط في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وبتجاوز الحدود القومية للدولة يُستطاع تحقيق العيش في سلام وأخوة وأمان. -7 تحقيق النظام الاتحادي الديمقراطي ضمان وحدة الأراضي السورية".
ويأتي هذا الإعلان امتداداً لإعلان سابق قضى بتشكيل ما سمي بـ"الإدارة الذاتية الديمقراطية" تحت إشراف حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ، ومشاركة ما يقارب الـ50 حزباً وتنظيماً سياسياً واجتماعياً. وللإدارة الذاتية الديمقراطية في مناطق روج آفا عقد اجتماعي تؤكد ديباجته أن "مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية لا تقبلُ مفهوم الدولة القوميّة والعسكرية والدينية، والمركزية في الإدارة والحكم المركزي ومنفتحة على أشكال التوافق مع تقاليد الديمقراطية والتعددية".
يذكر أن "روج افا" تضم مناطق مثل عفرين، كوباني، والجزيرة. وتمتد جغرافياً من الشمال إلى الجنوب بمسافة تتراوح بين 40 و80 كيلومتراً، بحيث يكون العمق الأكبر نحو الجنوب في الجزيرة، والعمق الأصغر نحو الجنوب في كوباني. فيما تبلغ المسافة من الشرق إلى الغرب 900 كلم، وتصل مساحتها إلى نحو 40 ألف كيلومتر مربع.
ويشكل كرد سورية نسبة تقدر بنحو 6% من العدد الإجمالي لتعداد الكرد في العالم البالغ، حسب إحصاءات عام 2011 بنحو 26 مليون و712 ألف نسمة، 56% منهم في تركيا، و16% في إيران، و15% في العراق، والباقي موزّعون على دول أخرى كأرمينيا، ودول المهجر كألمانيا. وثمة مغالطات وأساطير في الرؤية السائدة لأوضاع كرد سورية، وبالتالي في صياغة الحل الموضوعي لمشكلاتهم "التاريخية" والراهنة. فالحل الذي يستنسخ الحل العراقي يرتكز على أن هناك ثمة "كردستان الغربية أو السورية" على غرار "كردستان العراق"، و"كردستان إيران"، و"كردستان تركية" التي تشكل جميعها ما يسمى "كردستان الكبرى" الموعودة على غرار "إسرائيل الكبرى"، و"أرض الميعاد الموعودة". وهكذا أسطورة أو قراءة خاطئة تضع الكرد عموماً وعلى نحو خاص كرد سورية في منزلة اليهود أو الصهاينة في علاقتهم مع محيطهم الاجتماعي والإقليمي العربي والإسلامي، وهم أي الأكراد ليسوا أصحاب خصومات وعداوات مع العرب.
ومما لا شك فيه أنه تتشابك في مسألة أكراد سورية عوامل تاريخية وديموجرافية، وتتفاعل معها سياسات أطراف إقليمية ودولية. ولأهمية هذه المسألة لا بد من عرض رزنامة حقائق:
تاريخياً، تواجد الأكراد في سورية وعلى نحو خاص خلال الفترة (1925-1939) التي شهدت الهجرة الكردية الأولى إلى سورية نتيجة لمشكلة تركية أنتجت مسألة كردية في تركيا. فقد حطمت معاهدة لوزان 1923 مشروعين أساسيين نصت معاهدة سيفر 1920 على قيامهما في أراضي ما سيشكل لاحقاً الجمهورية التركية، هما مشروع الدولة الأرمنية والكيان الكردي القابل للتطور خلال سنة من إبرام معاهدة فرساي إلى تقرير مصيره وإمكان التحول دولة مستقلة.
وكانت أراضي هذين المشروعين تعتبر كردية وجزءاً لا يتجزأ من "كردستان الشمالية" في منظور القوميين الأكراد، بينما كانت تعتبر أرمنية في منظور القوميين الأرمن، في حين كانت تعتبر تركية بالنسبة إلى القوميين الأتراك، كما يعتبر جزء كبير منها جزءاً من منطقة الشام التاريخية، بالنسبة إلى القوميين العرب، وتحديداً بالنسبة إلى النخبة القومية السورية التي قادت مشروع المملكة السورية العربية في عام 1920.
وكانت الجزيرة السورية الكبرى (الرقة ودير الزور والحسكة) محل مشاريع إثنية فرنسية لتشكيل كيانات بدوية وكردية وكلدو-آشورية. وفي أواسط الثلاثينات دمجت هذه المشاريع فرنسياً في مشروع تشكيل كيان كلدو-آشوري وكردي وبدوي عربي في الجزيرة السورية لتقويض الحكم الوطني (1936-1939) الذي انبثق من المعاهدة الفرنسية- السورية. وشهدت الفترة (1945-1963) الهجرة الكردية الثانية إلى سورية؛ ونشوء مشكلة "أجانب تركيا" التي أثارها نور الدين زازا الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردي- الذي أسس في عام 1957 واتخذ موقفاً سلبياً من الوحدة السورية- المصرية- ولخصها برفض السلطات منح الجنسية السورية لعدد كبير من الكرد. واستند برنامج إصلاح الجزيرة ومشروع الحزام العربي، إلى دراسة لقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في محافظة الحسكة، أعدها محمد طلب هلال، رئيس الشعبة السياسية في الحسكة التي طرحت استئصال "المشكلة الكردية" في الحسكة من خلال برنامج تعريب شامل يقوم على تهجير السكان الأكراد على الداخل وتوزيعهم، واعتماد سياسة التجهيل. لكن قيادة المؤتمر القطري الأول لحزب البعث الذي عقد في سبتمبر 1963 رفضت الدراسة.
وبلغت مساحة "الحزام العربي" نحو 3001911 دونماً، ونحو 25 ألف نسمة من أكرادها مسجلون بوصفهم "أجانب". وبلغ عدد قرى "الحزام العربي" 42 قرية، وروعي في قراه وضع قرية عربية بين كل قريتين كرديتين أو ثلاث. ومن ناحية النتائج كانت سياسة الحزام العربي سياسة اسمية، ومن الناحية الديموجرافية محدودة النتائج.
وكان من بين الشخصيات الوطنية السورية المشهورة من أصول كردية براهيم هنانو. وحسني الزعيم قائد أول انقلاب في سورية؛ وأديب الشيشكلي وفوزي سلو. وفي مسار الثورة السورية تنافست فصائل المعارضة العربية على التحالف وكسب ود القوى السياسية الكردية، فكانت "جمعة أزادي" و"جمعة الوفاء للانتفاضة الكردية" محطتين في مسيرة الثورة، وعلى أساسهما رسمت خريطة التحالفات الحزبية الكردية مع هيئة التنسيق الوطنية، وتأسيس المجلس الوطني الكردي وعقبات الانضواء في المجلس الوطني السوري.
وعملياً، لا يسمح توزع المجتمعات المحلية الكردية السورية بحكم تباعدها الجغرافي الكبير جداً، بأي حديث ممكن عن مجتمع كردي متواصل وممتد جغرافياً ومناطقياً وبشرياً. وصيغ الحكم الذاتي الإقليمي والفيدرالية والكونفدرالية تقوم على أساطير أيديولوجية. فضلاً عن عدم واقعيتها واستفزازها للشعب السوري.
ولا يتطلب حل "المسألة الكردية" السورية بالضرورة تغيير اسم الجمهورية العربية السورية إلى "الجمهورية السورية"، فالمعطى الجوهري يتمثل في أن سورية "جمهورية عربية"- يشكل العرب نسبة 91% من سكانها- وأن إثارة تغيير الاسم تتم لدى بعض المجموعات الكردية السورية لغايات ومشاريع قومية غير مندمجة وطنياً. ومن الخطأ الجسيم فصل معاناة كرد سورية عن عموم المواطنين السوريين على اختلاف أصولهم القومية وانتماءاتهم الإثنية والدينية والمذهبية والطائفية التي تتطلب حلاً ديمقراطياً.
وهناك ضرورة لاستلهام دروس وعبر التاريخ الكردي المعاصر، فقبل 70 عاماً، وتحديداً في 22 يناير 1946، أعلن عن قيام جمهورية كردستان في ساحة (جوار جرا- المشاعل الأربعة-) بمدينة مهاباد في غرب إيران برئاسة القاضي محمد، التي لم تدم سوى 330 يوماً.
وكان هناك عدد من العوامل الداخلية والخارجية هي التي ساعدت على انهيار جمهورية مهاباد، لكن السبب الداخلي هو السبب الرئيسي حسب ما يذكر عبدالرحمن قاسملو، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني -الذي اغتيل في فيينا في 13 تموز 1989، عندما كان يفاوض المسؤولين الإيرانيين من أجل الحكم الذاتي في إيران - أن هناك عدة أسباب داخلية، منها: الجهل العام للشعب الكردي، حيث يسود الجهل والأمية بنسبة 90%. واعتماد القاضي محمد في تشكيل حكومته على الاقطاعيين والأغوات الكبار وهؤلاء معظمهم معادن للجمهورية، ولم يتم تحرير كردستان بصورة كاملة، بل حررت ثلث الأراضي الكردستانية فقط.
ومما لا بد من ذكره، أن الباحث الأرمني هو أبوفيان قال: "نستطيع أن نطلق على الكرد لقب "فرسان الشرق" بكل ما في الكلمة من معنى فيما لو عاشوا حياة أكثر تحضراً، ذلك أن الصفات المشتركة لهذا الشعب تتلخص في استعدادهم الدائم للقتال واستقامتهم وأدبهم وإخلاصهم المطلق لأمرائهم والتزامهم الدقيق بكلامهم وحسن ضيافتهم والثأر للدم المهدور والعداوة القبلية والصبر على السلب وقطع الطريق واحترامهم غير المحدود للنساء". وأيضاً، تأكيد إحدى القصائد الكردية القديمة أن قدر الكردي أن "يحمل ألف حسرة، ويذرف ألف دمعة، ويطلق ألف ثورة، ويشعل ألف أمل".
بالمقابل، يسعى غلاة المتطرفين الكرد لدفع عموم الكرد المعتدلين نحو أتون حروب ومعارك خاسرة، ووضعهم في منزلة "الجحاش" وهو الاسم الذي أطلقه "البيشمركة" على الأكراد الذين انضموا إلى وحدات شبه عسكرية تابعة للجيش العراقي الصدامي، وقاتلوا أشقاءهم الأكراد في ما سمي عمليات "الأنفال" التي استهدفت أكراد العراق.