منذ فترة طويلة وأنا أحاول الكتابة عن موضوع العلاقة بين المثقف وصاحب الفضيلة، ما يدفعني اليوم هو نقاش صديق سطحي يظن أن الهوة واسعة وأن البلد منقسم إلى صفين، هذا لا يعكس الحقيقة، فمع كل مقال أكتبه في نقد وتحليل الخطاب الإسلامي أو أناقش فيه فكرة أو جملة لصاحب الفضيلة يظهر العشرات الذين يظنون وهماً أن هذه إرهاصتي أو نتاج حروب مدارس خفية، نسي هؤلاء أن أعظم كتب التراث الإسلامي التي تبني قوام حياتنا الإسلامية اليوم هي نتاج حوار ونقد وتحليل بين حتى ذات علماء المدرسة الإسلامية الفضلاء. ينسى هؤلاء أن هذه الكتب التي أثرت كل مناحي الفقه والمذهب والتاريخ الإسلامي كانت تنسخ بعضها البعض، وتنتقد بعضها البعض، حتى خرجنا من كتب التراث الإسلامي بهذا التباين الجميل الذي لم يثر المكتبة فحسب، بل أثرى حياتنا وحياة الأجيال من بعدنا بكل هذا الاختلاف الجميل.
سأعود إلى النقطة الأولى في بدء هذا المقال عن العلاقة بين المثقف وصاحب الفضيلة، دعني آخذ في المثال قصة إصابة فضيلة الشيخ عائض القرني وعلى هذه الشاكلة ستظهر عشرات الأمثلة، كتبت مرات كثيرة في نقد ومساءلة بعض ما قد يكون في الحوار اللذيذ ما بيني وبين هذا الداعية، وقد لا يعلم البعض أنني معه نتواصل ونتحاور بعد كل مقال، القصة لا تكمن دائماً في فضيلة الشيخ بل مع الأتباع الذين يظنون أن صدر الشيخ لا يتسع للحوار، بينما الحقيقة أن أصحاب الفضيلة أوسع صدورا وأكثر تقبلاً وحواراً ومناقشة.
بعد إصابة فضيلته حاولت الاتصال به أكثر من مرة وبعد أن يئست لجأت للاتصال بأكثر من صديق مشترك وأنا أعي ماذا تعني كلمة صديق، اتصلت بالأخ الغالي فضيلة الدكتور سلمان العودة ويعلم أبومعاذ أن ما قلته في ذلك الاتصال لن يسمعه أبداً من لسان أي فضيلة شيخ آخر، وفي اليوم التالي اتصلت أيضاً بالأخ الآخر الدكتور عوض محمد القرني وتحادثت معه طويلاً لا مهنئا فقط بسلامة الشيخ بل لنقل ذات الرسالة التي أؤمن بها من أن اصطياد مثل هذه الرموز لا يعتبر للعدو المعلن مجرد صيد فردي، بل أيضاً هزيمة وطنية وأنا أعني هذه الكلمة.
وكل الذي أريد أن أصل إليه في صلب هذا المقال أن العلاقة بين المثقف والشيخ تظل منهجا قد لا يدركه آلاف الأتباع الذين يظنون أن الحوار والنقد ليس إلا محاولة انتقاص إما من الدين والعياذ بالله، وإما من صاحب الفضيلة، قد لا يدرك هؤلاء الأتباع حجم العلاقة الهائلة الدافئة التي تجمع المثقف وفضيلة الشيخ، نعم نحن نختلف ونتجادل ونتحاور وقد يكون أي من الطرفين على خطأ أو صواب ولكننا لا نهدف إلا للمصلحة العامة، وأنا أجزم أننا نتشارك فيها معاً وعلى ذات القدم والمنهج والفكرة.
لقطة الختام.. أخي فضيلة الشيخ عائض القرني: كفى. وأرجو أن تكون رسالتي الواضحة الصريحة قد وصلت إليك عبر كل أصحاب الفضيلة الذين اتصلت بهم للاطمئنان والتهنئة على السلامة.