رغم أن المملكة مرت ولا تزال خلال الفترة الحالية – مثل بقية دول المنطقة – بأحداث استثنائية، مثلت فترة دقيقة من تاريخها، إلا أن الدبلوماسية السعودية تمكنت من تحقيق نجاحات عديدة، وتغلبت على الكثير من الصعاب التي واجهتها، ولا تزال تنتقل كل يوم من نجاح إلى آخر، رغم تعدد الجهات التي تحاول وضع العراقيل أمامها.

المتابع للأحداث السياسية يجد أن الخارجية السعودية استطاعت تحقيق انتصارات دبلوماسية متعددة، ففي ما يتعلق بالتحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن، استطاعت الرياض حشد الدعم الدولي المطلوب للتحالف، وتمكنت من ضمان وقوف غالبية دول العالم إلى جانبه، وتجلت تلك الحقيقة الناصعة في الإجماع غير المسبوق الذي ناله القرار الأممي رقم 2216، الذي طرحته المملكة على مجلس الأمن الدولي، لفرض استعادة الشرعية، وإلزام الانقلابيين الحوثيين وميليشيات المخلوع علي عبدالله صالح بالتراجع إلى مناطقهم الأصلية. واستطاع القرار الحصول على موافقة دول المجلس الـ15، حيث لم تمتنع أيا منها عن التصويت لصالحه.

كما وافقت دول المجلس على فرض حظر بحري على كافة منافذ اليمن البرية والبحرية والجوية، وألزمت كل الطائرات والسفن الراغبة في دخول المجال اليمني بالخضوع لعمليات تفتيش في مطارات وموانئ المملكة، وأباحت للتحالف الحق في التعامل مع كل من يرفض الامتثال للقرار. وأكدت تضامنها التام ووقوفها إلى جانب المملكة، في موقف مبهر أكد ما تتمتع به هذه البلاد المباركة من ثقل دبلوماسي كبير.

أما فيما يتعلق بمحاولات إيران وعملائها التغول في المنطقة العربية، فقد وقفت المملكة سدا منيعا أمام تلك المحاولات، وتصدت لها بصرامة قاطعة، واستطاعت إحباطها وإفشالها، كما تمكنت من تصنيف شبكات ومنظمات وأحزاب محسوبة ولائيا وأيديولوجياً على إيران، مثل حزب الله كمنظمات إرهابية على الأصعدة الخليجية والعربية والإسلامية، وتداعت غالبية الدول لتأييد الموقف السعودي والوقوف إلى جانبه، في مواقف تؤكد مكانة المملكة كقوة كبرى في المنطقة.

ومثَّلت حادثة الاعتداء على السفارة السعودية والقنصلية في مشهد، علامة فارقة، حيث سارعت العديد من الدول العربية والإسلامية إلى إعلان تضامنها مع المملكة بصورة عفوية، واتخذت بعض الدول قرارات حاسمة بقطع العلاقات مع طهران، وهي المواقف التي أصابت دولة الولي الفقيه بصدمة بالغة لم تفق منها حتى اللحظة. ولم تقتصر مواقف السودان والصومال وجيبوتي على مجرد قطع العلاقات الدبلوماسية، بل إن تلك المواقف أعلنت بشكل آخر إنهاء عهد الوجود الإيراني في منطقة القرن الإفريقي، تلك المنطقة الإستراتيجية الهامة التي بذلت إيران جهودا كبيرة لأجل إيجاد موطئ قدم بها.

واشتهرت الدبلوماسية السعودية الحديثة، التي أرسى قواعدها المغفور له الأمير سعود الفيصل، باستنادها إلى قواعد ثابتة، في مقدمتها احترام سياسة الدول الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية إلا بالإيجاب، والوقوف إلى جانب كافة الدول الشقيقة والصديقة في المجالات السياسية والاقتصادية، ومد يد العون لها، لاسيما في أوقات الأزمات والكوارث، واتبعت الرياض تلك السياسة الواضحة بشفافية تامة، وتفاعلت في محيطها الإقليمي والدولي بإيجابية كبيرة، وكان الوزير الراحل يحظى بالإعجاب والحفاوة في كل المحافل، حتى لقب بعميد الدبلوماسيين، بعد الفترة الطويلة التي قضاها منافحا عن بلده ومدافعا عن أمته.

ومع تعاظم الأخطار والتحديات التي واجهتها البلاد انطلاقاً من انتشار خطر الجماعات الإرهابية التي اقتاتت على تجاهل المجتمع الدولي كمنظومة للمأساة السورية، فنمت وتعاظم خطر الإرهابيين، وواصلت إيران وأدواتها في المنطقة خطط توسيع النفوذ وبدأت الأطماع تصل حداً لا يمكن التساهل معه مستفيدة من الضوء الأخضر "ضمنياً" الذي تلقته جراء توقيعها الاتفاق النووي مع دول 5+1، فكانت عاصفة الحزم من المملكة لوقف هذا الشر الذي لا يريد خيراً لجيرانه.

ووسط هذا الحراك واللحظة الدقيقة، لمع نجم وزير الخارجية السعودية عادل الجبير الذي تسلم الراية في ظرف دقيق عقب وفاة الفيصل، فكشف عن كفاءة عالية ونجاح منقطع النظير، وأكد صواب القيادة الرشيدة عندما راهنت عليه، لتسلم المسؤولية الكبيرة. وحقق النجاح استنادا إلى الرصيد الإيجابي الذي تركه سلفه الراحل، واستعان بمؤهلاته العلمية وقدراته الفذة وتأهيله الأكاديمي العالي وسيره على ذات النهج الذي اختطه سابقوه.

طاف الجبير على كافة دول المنطقة ومعظم الدول المؤثرة في القرار الدولي، وضخ دماء التجديد في علاقات المملكة مع الدول العربية والإسلامية بالقارتين الإفريقية والآسيوية، بهمة لا تنقطع، ونشاط لا يخبو، وطموح لا يعرف حدود المستحيل، جدد فيها التزام بلاده بتطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية.

وباتت تصريحات الجبير "المانحة للأمل" خاصة تجاه القضية السورية مؤشراً جلياً على مدى التزام الحكومة السعودية لنصرة قضايا الأمتين العربية والإسلامية وضمان استقلال من التدخلات الخارجية، كما عبر عنها في وقت سابق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

من الواضح بما لا يقبل مجالاً للشك أن السياسة السعودية الخارجية لم تكن لتتغير عن نهجها طوال العقود الماضية لولا تغير الظروف والمناخات المحيطة وتعاظم التهديدات والتحديات التي بدأت تحيق بها، فلم تجد مناصاً من التصدي لها بعزم وحزم في وقت لا يمكن من خلاله القبول بواقع سياسي جديد يفرض على المملكة تقاسم النفوذ في المنطقة.