كان القرن السابع عشر للميلاد حقبة سوداء من أحلك الحقب التي عرفها اليهود في تاريخهم، ففضلا عن تعرضهم لقسوة محاكم التفتيش في إسبانيا، فقد تعرضوا لمجازر عدة في شرق أوروبا، كان من أشهرها مذبحة (شميلنيكي) في بولندا، تلك المذبحة التي هلك فيها أكثر من مئة ألف يهودي كما يزعم بعض المؤرخين.
أدت كل تلك الظروف إلى ظهور ألوان من الأزمات الوجودية عبرت عن نفسها في المجتمعات اليهودية في المشرق والمغرب، ولكن تكاد الظاهرة الأبرز التي شهدتها تلك المجتمعات في ذلك القرن هي الظاهرة (الشابتائية).
الشابتائية ظاهرة انبعثت من قصة شاب غريب الأطوار يسمى (شابتاي زيفي) الذي كان يعيش في إحدى بلدات الأناضول عندما تناهى إلى مسمعه ما يتعرض له أبناء جلدته في شرق أوروبا. كان ذلك الشاب يزعم أنه يضطر إلى خرق كثير من المحرمات اليهودية رغماً عنه تحت تأثير هواتف غيبية توهمه باستثنائيته، خصوصا أنه كثيرا ما كان يجاهر بتلك الخروقات بعد فترات عزلة يشعر بأن هناك قوى تجبره عليها. ضاق مجتمعه اليهودي في بلدته الصغيرة ذرعا بتصرفاته فاضطر إلى الخروج منها والمسير نحو فلسطين حيث التقى بثاني أبطال هذه القصة.
لم يكن هذا البطل سوى الحاخام الشاب (ناثان) الذي وجد في شابتاي مصداق رؤاه الروحية التي صورت له بأنه المسيح المخلّص. ما لبث ناثان أن أقنع شابتاي بالمضي قدما نحو أداء دوره التاريخي بتخليص شعبه من ربقة الظلم الفادح الذي يرسف فيه. أعلن شابتاي أنه المسيح وقام ناثان بمراسلة حاخامات اليهود في إيران وتركيا وشمال إفريقيا، مبشرا إياهم بقرب خلاصهم من حياة الشتات والمنافي والسير بهم نحو إقامة حلم الميعاد الذي طالما انتظروه.
سرت دعوة شابتاي كالنار في الهشيم بين الجاليات اليهودية، فبدأ كثير منهم ببيع ممتلكاته والتوجه نحو أرض فلسطين.
العجيب أن شابتاي لم يتخل في دعوته عن عمده المستمر إلى تحطيم كل التشريعات اليهودية المألوفة، في حين أن ناثان كان يقنع الجميع بشكل محموم بأن هذه تجليات العهد الجديد، غير آسف على التعليمات القديمة التي لم يلق اليهود منها في السابق سوى الإمعان في العبودية.
اتضح أن الناس كان بمقدورهم التخفف من كل أعباء التلمود تحت وحي الشعور بقرب الخلاص، فقد كانوا يرقصون في مسيرات حاشدة مع كل فريضة أو صوم يسقطه شابتاي عنهم، وكانوا يهتفون فرحين مع كل خبر ينبئهم أن المسيح قد أكل من طعام محظور عليهم!
كانت السلطة العثمانية تراقب كل هذه التطورات بحذر، ولكنها لم تنتظر كثيرا حتى استطاعت القبض على شابتاي وإرساله إلى إسطنبول حيث خيره السلطان هناك ببساطة بين الموت شنقا أو اعتناق الإسلام، فكانت المفاجأة المذهلة بقبوله الدخول إلى الإسلام بشكل علني، بل والمبالغة في الحماس لهذا الخيار!
كان وقع هذا مدويا على أتباعه، فلم يكن أحد من الأتباع اليهود يتصور بأن يرتد المسيح نفسه عن الدين!
العجيب أن القصة لم تنته عند هذا الحد، فعلى الرغم من أن أغلبية أتباعه عادوا متقززين من انكشاف الخدعة، إلا أن فريقا غير ضئيل ظلوا على قناعاتهم نفسها ولكن بشيء من التحوير، حيث أقنعوا أنفسهم بأن هذا ليس إلا طورا من أطوار المحنة التي تعمد المسيح بأن يعبرها على هذا النحو. كان ناثان على رأس الفريق الأخير بطبيعة الحال. ولكن شابتاي ظل على إسلامه، بل وعرف عنه الاعتكاف الدائم بالمساجد وإن كان قد ظل على غرابة أطواره والمجاهرة بآراء غريبة على الإسلام كما كان يفعل إبان يهوديته دون أن يتعرض له أحد بسوء هذه المرة.
من الغرائب التاريخية أن المذهب الشابتائي استمر دون شابتاي وتطور بعد ذلك إلى عدة مدارس داخل الدين اليهودي في ظاهرة تستحق وقوف المهتمين من دارسي علم الاجتماع الديني.
ماذا تقول لنا هذه الظاهرة في الحقيقة؟ وإلى أي مدى هي قابلة للتكرار في المجتمعات الدينية التي تتعرض لوطأة الاضطهاد التي قد تفقدها بوصلتها العقلية والروحية؟
يبدو أن (الشابتائية) كانت إحدى الصيغ الخام للصهيونية التي تطورت في صورة أكثر علمانية وعصرانية فاستطاعت الوصول بمساعدة بعض الظروف إلى درجة من النجاح السياسي. ولكن عند النظر بعين التحقيق قد نكتشف أن العوامل التي أسهمت في إجهاض الشابتائية من قبل ما زالت موجودة ضمن العجينة الأيديولوجية الصهيونية بقوة، فإلى أي مدى سيصمد (ناثان) هذه المرة؟