أثناء تلبيتي دعوة جاري الصيني لزيارته في بيت والدته في القرية، أطلعني على مكتبته الصغيرة بفرح وفخر، ورغم أن عناوين كتبه لم تتطابق مع اهتماماتي إلا أنها كانت مكتبة ثرية بالكتب العلمية، لديه كتب حديثة عن تصميمات وتقنيات "الروبوت" الرجل الآلي، وأحد الكتب يحمل على غلافه صورة للروبوت الشهير هوندا أسيمو، وأخبرني بأنه يهتم بهذا المجال لأنه يحلم بالعمل في مجال تصميمات الروبوتات، ويتمنى أن يراها تستخدم في المجالات الشخصية.
لديه أيضا كتب سير ذاتية لمشاهير العالم، وكتب عن تاريخ الصين القديم والحديث، وحين سألته كم كتابا تقرأ في السنة أجابني بخجل أنه يقرأ بأقل من المعدل العالمي بكثير، وحين سألته عن المقياس العالمي الذي يقصده أخبرني بأنه هو ما يقرؤه الشعب الإسرائيلي الذي يعد الأكبر في العالم بمعدل 40 كتابا في السنة - على حسب قوله - أن سمعها في إحدى نشرات الأخبار، وبعقليتي العربية العاطفية التي أبدا لا تزعزع شعرت بالغضب حينما سمعت كلمة "إسرائيل"، وتركت الكتب والقراءة وأقحمته في السياسة، وأنا أقول له نحن العرب والمسلمين لا نعترف بوجود دولة اسمها إسرائيل، بل نسميها الدولة المحتلة، وارتسمت على وجهه كل علامات الدهشة، وهو يراني أنكر وجود إسرائيل، وأشرح له كيف أنهم احتلوا فلسطين وقتلوا الأبرياء، وأخرجت هاتفي لأريه بفخر صورة للطابور البشري الطويل الواقف أمام معرض الرياض الدولي للكتاب، وأخبرته عن بعض علماء العرب الذين بنى الغرب حضارته على مؤلفاتهم مثل العالمين الخوارزمي وابن حيان.
تعاطف معي قليلا، واعتذر مني لأنه لا يعلم شيئا عن تاريخ احتلال فلسطين، ولا عن تاريخ علماء العرب، وما إن بدأ غضبي يهدأ إثر تعاطفه حتى أشعله قائلا بابتسامة: "كل ما أعرفه أن إسرائيل متفوقة كثيرا على الدول العربية، وأعتقد أن ذلك يعود لاهتمامها بالقراءة، وشاهدت الكثير من أخبارها فوجدتها دولة متقدمة، ولو قارنا الدول العربية مسميا لي بعضها فقط بإسرائيل التي أخبرتني للتو بأنها دولة محتلة، وتعتبرونها كالسرطان في جسدكم، فإننا سنجد أن الفارق كبير"، وحينها وضعت هاتفي جانبا بعد أن كنت مستعرضا أمامه بصورة طابور معرض الكتاب، وعرفت أننا وصلنا للنقطة الفاصلة ما بين النقاش والجدل، وتابعت معه مطالعة بقية الكتب ناجحا في تغيير مجرى النقاش، وملتمسا له العذر في نقده لعالمنا العربي، إنه مهندس صيني يعمل في مجال تقنية وصناعة الهواتف الذكية، واستنتاجاته تتكئ على الأرقام كالروبوتات التي يتعمق فيها ويتابع أخبارها بشغف، بينما أنا العربي العاطفي الذي يحاول أن يناقش متكئا على تاريخ أجداده مثل الخوارزمي وابن حيان، وينكر تفوقا في القراءة أصبح واقعا لدولة محتلة لأراضيه العربية وثالث مقدساته.
وأنا أودعه عائدا إلى بيتي البعيد في المدينة وجدت هاتفي ما زال على وضع صورة الطابور البشري أمام مدخل معرض الرياض الدولي للكتاب، ولكن لم أشعر بالفرح والأمل كما شعرت به عندما رأيتها للمرة الأولى، مؤمنا بأننا كشعوب عربية عاطفيون، تفرحنا الصور، وتخدعنا المظاهر، ونتجاهل الأرقام التي لو تخيلتها معي على شكل رسومات بيانية في عقل صديقي المهندس الصيني لوجدنا أن العمود الأصغر في الرسمة هو إشارة إلى أننا الشعوب الأقل في معدل القراءة، وبينما أطول الأعمدة في الرسمة البيانية تشير إلى أننا الطابور الأطول على بوابات الطائفية والحزبية، وبوابات الهجرة، ومخيمات اللجوء، وحدود الفقر، وعلى أرغفة الخبز، وتوزيع الإغاثات والموت والحرب والمستشفيات والمقابر.